حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرئيسيةتقاريرثقافة وفن

  مع أربع زوجات في البرازيل

كنت في المحطة المركزية للقطارات في ريو دي جانيرو البرازيلية، القريبة من شارع أفينيدا بريسيدينتي فارغاس، أبحث على الإنترنت عن كيفية الوصول إلى مدينة كوريتيبا، وذلك بعد صعوبات لغوية واجهتها مع موظفة التذاكر. لذلك قررت الاعتماد على نفسي والبحث عن المعلومة.

كانت سيدة برازيلية في الأربعين من عمرها بالقرب مني، فبادرتني بالحديث بالبرتغالية. غير أنني اعتذرت لعدم فهمي ما تقول، فأجابتني بالإنجليزية. ثم سألتني عن أصلي ومن أي بلد أتيت. وعندما أجبتها، شعرت أنها، مثل كثيرين التقيت بهم، تسبح في جغرافيا ذهنها باحثة عن عناصر تساعدها على التواصل معي بطريقة أفضل، فالتواصل يختلف حسب ثقافة الشخص الذي نتحدث معه. فالبرازيليون، في نظري، شعب مضياف يسعى إلى مساعدة السائح ليشعر وكأنه في بلده، كما يعتز بأن بلاده أرض مفتوحة للجميع، حيث تتعايش مختلف الأجناس والأديان وألوان البشرة.

وبينما كانت تنتظر قطارها، سألتني إن كنت أحب البرازيل وماذا زرت منها. كان حديثا عابرا وبسيطا، لكنه سرعان ما انتقل إلى سؤال آخر حين استفسرت عما إذا كنت متزوجا. فأجبتها بأنني لم أتزوج بعد. عندئذ بدت عليها الحيرة، إذ تساءلت كيف أكون عازبا وأنا قادم من بلد يسمح فيه بالزواج بأربع نساء. فضحكت وقلت إنني لم أجد واحدة بعد، فكيف يمكنني أن أجد أربعا؟

غير أنها استدركت مبتسمة قائلة إنها لا تعتقد أنني مغربي مئة في المئة. فسألتها عن سبب هذا الانطباع وماذا تعرف عن المغرب. فأوضحت أنها لم تزره قط ولا تعرف عنه الكثير، لكنها شاهدت جميع حلقات مسلسل برازيلي تدور أحداثه في المغرب، وكان يعرض على إحدى القنوات البرازيلية واسعة الانتشار. وعندما سألتها إن كانت تقصد «أو كلوني»، أكدت ذلك، مشيرة إلى أنها شاهدته في بداية شبابها، وكانت تلك أول مرة تسمع فيها عن المغرب وتقاليده ولباس سكانه وعاداتهم المختلفة. ثم أضافت أنني لا أشبه شخصيات المسلسل.

عندها أخبرتها بأنني أنا أيضا كبرت على صورة ذهنية عن البرازيل والبرازيليين، صورة ترتبط بشاطئ كوباكابانا وإيبانيما، واحتفالات كرنفال ريو، ومباريات كرة القدم، وعنف الفافيلا، وخطابات لولا دا سيلفا. ومع ذلك، أرى أن لكل شعب جانبا تصنعه الصورة النمطية، وجانبا آخر تمثله الحياة اليومية العادية. لذلك لا يمكنني أن أسافر مرتديا الجلباب والبلغة وبرفقتي أربع نساء فقط لأرضي ما يترسخ في مخيلة الآخر، إذ إن لكل مقام مقالا.

كما أنني شاهدت مسلسل «أو كلوني» مترجما على القناة الفرنسية الأولى، وأدركت أن كثيرا من اللاتينيين تعرفوا على المغرب من خلاله. ولا شك أن الإنتاج التلفزيوني يشكل نافذة على ثقافات ودول مختلفة، وهذه إحدى حسنات الفن لأنه يقرب بين الشعوب. إلا أن المسلسل ركز بشكل مبالغ فيه على بعض الخصوصيات الثقافية والدينية، كما عرض عادات لم تعد تمارس في الحياة اليومية، بل قدم أحيانا صورة غير دقيقة في بعض حواراته. وأنا لا أعرف في محيطي أو عائلتي من هو متزوج بأكثر من واحدة.

وفي نهاية الحديث، تساءلت عما إذا كان المسلسل قد ساهم في نشر أفكار غير دقيقة. فبينت لها أن المشكلة لا تكمن في العمل الفني بحد ذاته، بل في تقبل كل ما نشاهده أو نسمعه دون فحص أو تمحيص. وهكذا تغيرت نظرتي إلى البرازيل بعد السفر، إذ لم تعد كما كانت قبل الوصول إليها، خاصة أن التقاليد نفسها تختلف من منطقة إلى أخرى داخل البلد الواحد.

لقد علمني السفر أن الصور النمطية غالبا ما تنبع من الجهل بالآخر، وأن الكليشيهات تميل إلى تبسيط الثقافات بشكل مخل. كما أن وسائل الإعلام والإنتاجات الدرامية والكوميدية قد تعزز هذه الصور وتحصر الشعوب في قوالب جامدة تنطلق من التخيلات. ومن ثم فإن أفضل ما يعود به المسافر، بعد الصحة والسلامة، هو أفكار جديدة ورؤى أوسع وأكثر إنصافا عن البلد الذي زاره.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى