
كانت معركة ذات الصواري أول معركة بحرية يخوضها العرب والمسلمون في عرض البحر الأبيض المتوسط، الذي كان يسمى في ذلك العهد ببحر الروم، بسبب السيطرة التامة للبيزنطيين على ساحليه الشمالي والجنوبي.
هذه المعركة التي وقعت سنة 655م كانت لها خلفيات تاريخية، فبعد اتساع الفتوحات الإسلامية التي امتدت إلى بلاد الشام ومصر وشمال إفريقيا، وجدت نفسها في مواجهة النفوذ البيزنطي في البحر الأبيض المتوسط، وأصبحت عرضة لهجمات الأسطول البيزنطي، وأدرك جل القادة السياسيين والعسكريين المسلمين ضرورة حماية فتوحاتهم البرية، التي لا يمكن تحصينها سوى بقوة بحرية قادرة على ردع ومواجهة الخطر البيزنطي المتمثل في أسطوله البحري، الذي يبسط سيطرته الكاملة على سواحل البحر الأبيض المتوسط.
لقد تنبه معاوية بن أبي سفيان، الوالي على الشام، بحكم تجربته ومعرفته التاريخية القريبة جدا، أي قبل الفتوحات الإسلامية بنحو عشرين سنة، إلى كيف استطاع الفرس أن يمدوا حدود إمبراطوريتهم إلى البحر الأبيض المتوسط، لكن فاتهم أن يؤسسوا أسطولا بحريا قادرا على حماية حدودهم الجديدة. فكان بإمكان الإمبراطور البيزنطي هرقل أن يعد حملة بحرية مكنته من استرداد مصر والشام من الفرس، وبالتالي أنهى الوجود الفارسي في خريطة القوى الكبرى في العالم.
لذلك سارع معاوية بن أبي سفيان، مستشعرا الخطر، إلى كتابة رسالة إلى الخليفة عمر بن الخطاب، مستأذنا منه غزو جزيرة قبرص عن طريق البحر قائلا: «يا أمير المؤمنين، إن الشام قرية يسمع أهلها نباح كلاب الروم وصياح ديوكهم، وهم تلقاء ساحل من سواحل حمص!».
غير أن عمر بن الخطاب لم يوافق على غزو قبرص، مستدلا بقلة الخبرة البحرية لدى العرب، وأن ركوب البحر فيه هلاك للمسلمين، وقال قولته الشهيرة: «تالله لمسلم أحب إلي مما حوت الروم، فإياك أن تعرض لي وقد تقدمت إليك!».
لم ييأس معاوية بن أبي سفيان، فبعد وفاة عمر بن الخطاب جدد طلبه بالإذن في غزو قبرص للخليفة الثالث عثمان بن عفان، الذي تريث كثيرا قبل الموافقة في نهاية الأمر، لكن تلك الموافقة كانت مشروطة، وهي أن يستعد للأمر استعدادا جيدا، وألا يكره أحدا من المسلمين على الغزو في البحر، وأن يكون هو نفسه على رأس الغزاة، ومعه امرأته، فقد قال له: «فإن ركبت البحر ومعك امرأتك، فاركبه مأذونا لك، وإلا فلا».
استطاع معاوية بن أبي سفيان، الوالي على الشام، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح، الوالي على مصر، تأسيس أول أسطول بحري، وبتنسيقهما تم غزو جزيرتي قبرص ورودس والاستيلاء عليهما.
شعر البيزنطيون بخطورة الوضع وموقفهم أمام هذا الأسطول الجديد المنافس لهم في البحر الأبيض المتوسط، بعد فقدانهم للجزيرتين الاستراتيجيتين قبرص ورودس، فجهزوا أسطولا ضخما لملاقاة أسطول المسلمين.
كانت معركة ذات الصواري التي سميت لكثرة صواري السفن، أو لمكان معروف بهذا الاسم، معركة غير متكافئة، فأسطول المسلمين كان حديث عهد بالحروب البحرية، ولم يكن المقاتلون المسلمون يجيدون سوى الرماية بالأقواس والسهام، وهذا لا يتناسب مع الحروب البحرية.
لكن تفتقت لديهم فكرة تحويل الحرب إلى حرب برية، فقد عمدوا إلى إلقاء الخطاطيف على سفن العدو وجذبها إليهم والالتصاق بها، ما سهل عليهم اقتحام السفن المعادية بسيوفهم ورماحهم وسهامهم، وأدى بها إلى إصابتها بالشلل وعدم القدرة على المناورة السريعة، وبالتالي الانسحاب وتحمل الخسائر الجسيمة في القتلى والأسرى والسفن.
إن النتيجة غير المباشرة لهذه المعركة هي أنها حلت عقدة العرب والمسلمين من البحر، ومنحتهم الثقة في قدرتهم الملاحية. أما النتيجة المباشرة فهي امتلاكهم للسيادة على البحر الأبيض المتوسط، وفتح أمامهم الباب على مصراعيه لعهد جديد غير موازين التاريخ.





