الرأي

أرانب السباق

حسن البصري

في الملتقيات الرياضية الكبرى لألعاب القوى، يلجأ المنظمون لأرانب السباق من أجل تحطيم أرقام قياسية خاصة في السباقات المتوسطة والطويلة، لا يتعلق الأمر هنا بأرنب بري يسابق الريح، بل بعداء قادر على رفع وتيرة السباق، ولا يكون عادة من ضمن العدائين المرشحين للظفر بالسباق، إذ يتوارى عن الأنظار ويغادر المضمار في وقت متفق عليه سلفا، تاركا العداء المرشح يكمل ما تبقى من أمتار وكله أمل في تحطيم الرقم القياسي.
حين ينتهي السباق ينال العداء ميداليته ويحصل أرنبه على غلاف مالي، ثم يرحل بعيدا عن الأضواء في غفلة من الجميع، وكأن أرانب المدار تهرب نحو محميات بعيدة في انتظار موعد آخر لتحطيم رقم صامد، مع سبق الإصرار والترصد. لكن الأرانب أوفياء لميثاق الشرف لا يفوزون بالسباقات حتى وإن كانت لا تفصلهم عن خط الوصول سوى خطوات قليلة. إنهم من طينة الناس الذين يوثرون على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة للألقاب.
كان العداء العالمي هشام الكروج يستعين بعداء مغربي يدعى الحسين بنزريكنات، وهو الذي ساهم في الكثير من إنجازاته، بينما جلب سعيد عويطة أرنبا من السودان، واعتمد على العداء خليفة عمر الذي نال صفة أرنب دولي، وكلما ظهرت على عداء أعراض الزعامة طلب ود أرنب مغربي أو أجنبي حسب طبيعة المهمة.
ولأن الأرانب لا تريد أن تتسيد باقي الحيوانات، فقد ظلت تمارس هذه المهمة بكل وفاء وإخلاص، ليس فقط في مجال ألعاب القوى، بل في مسابقات سياسية خاصة الاستحقاقات الانتخابية التي تفرز كائنات على شكل أرانب السباق فترفع وتيرة التنافس ثم تنسحب بكل روح سياسية.
لكن بعض المصنفين في خانة الأرانب يرفضون لعب دور الأرانب البرية، ويصرون على مواصلة السباق إلى خط الوصول، فيصعدون فوق صهوة «البوديوم» وينالون الجائزة ويطوقون أعناقهم بأكاليل الورود. هنا يصبح الأرنب أسدا فيتعلم الزئير ويبسط سلطته على المحمية ويعلن نفسه وصيا.
لقد اعتقد وزير الشغل محمد أمكراز أن الحسين الشنيتي بائع التين الشوكي سيكون أرنب سباق في الانتخابات الجماعية بإحدى دوائر تيزنيت، لكن الرجل البسيط رفع الإيقاع «ودار دورة» على الوزير رافضا دور الأرنب.
لا أجد سببا لسقوط وزراء التشغيل في اختبارات الانتخابات، فحين وضع عبد السلام الصديقي الوزير الأسبق أرانب السباق في مناصب عليا تسهل عملية استقطاب الموالين له، على غرار «لانابيك» ومديرية التعاون الدولي وغيرها من الأقسام المدرة لـ«الأصوات»، تبين له أن الأرانب كانت خارج الفورمة يوم الامتحان، فتمردت ساكنة دائرة سيدي علي بورقبة التابعة لإقليم تازة، ورمت به خارج صناديق الاقتراع، بعد خسارة مذلة أمام سائق طاكسي يتدبر بالكاد «الروسيطة». وخسر بعده وزير الشغل محمد يتيم منصبه وكأن لعنة ضربت هذه الحقيبة.
هناك فئة من أرانب السباق «كلاس» أبرزها إدريس السنتيسي، عضو المكتب السياسي لحزب الحركة الشعبية، الذي فاز بمقعد برلماني في دائرة سلا، لكن عضويته في المجلس الوطني لحقوق الإنسان، دفعته للانسحاب كما ينسحب أرانب السباق، لوجود حالة التنافي واستحالة الجمع بين منصبين، تاركا المقعد البرلماني لابنته اعتمادا على خطة مستوحاة من أم الرياضات.
ومن طرائف أرانب السباق في المدار الانتخابي، حكاية مرشح من حزب الزيتونة بدائرة انتخابية في سيدي إفني، قرر الاستعانة بأرانب من الوسط الكروي، وحين فاز أحد الأرانب قرر الانتقام وأقدم على حفر الملعب المترب كأنه يدك مخابئ الأرانب، دون أن تتصبب من جبهته قطرة حياء.
خلافا لأرانب السباق المعتمدين من منظمي التظاهرات العالمية لألعاب القوى، فإن أرانب الانتخابات قابلة للتغيير، تنتهي صلاحيتها عند خط الوصول عندما يعجز العداء على مجاراة السباق، حينها تتحول الأرانب إلى أكباش فداء. لماذا لا نلغي المسابقات ونقيم بطولة لأرانب سباق أو نستبدلها بسلاحف سباق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى