الرئيسيةملف التاريخ

أساطير أعيان حكموا المغرب.. كيف انتهوا؟ ثروات طائلة انقرضت.. وبعضها تحول إلى متاحف ودور ضيافة

كان معروفا أن القايد حمو الذي كان من أشهر أعيان الأطلس ما بين 1914 و1933، قد جعل جناحا من قصره الكبير، الذي كان عبارة عن قصبة من عدة طوابق مبنية بالآجر الأحمر المغطى بالطين المحلي، مخزنا كبيرا لوثائق أزيد من خمس قبائل متفرقة على ربوع الأطلس ونواحي ورزازات الكبرى. وهذه المكانة التي وصل إليها القايد حمو، حتى قبل أن يصبح صهرا للكلاوي، جعلته محط تقدير كبار زعماء القبائل مثل عسو باسلام الذي قاد ثورة بوكافر في المنطقة، إذ كان يشاع أنه من أصدقاء القايد حمو أيضا.
وعندما أغار عليه صهره سنة 1933، حسب ما نقلته صحيفة «لو بوتي ماروكان» في أرشيفها لتلك السنة، فإن النهاية التي وصل إليها القايد حمو كانت بسبب رفضه الاستسلام لفرنسا، وهو ما جعله يصبح هدفا سهلا لأتباع الكلاوي الذي كان مناصرا للحملة الفرنسية في الأطلس وداعما كبيرا لها، وحليفا للجنرالات الفرنسيين.
من زمن آخر هذه المرة، بعد انقلاب الصخيرات سنة 1971، في منطقة أزرو رفع إلى وزارة الداخلية تقرير مفصل عن قصبتين جرى تفويتهما إلى أقرباء شخصية عسكرية، لم يكشف التقرير الذي يوجد في الأرشيف الفرنسي الرسمي عن هويته، كانوا يشغلونها ويقيمون فيها بعد أن صودرت من أحد القياد الذين كانوا موالين لجيش التحرير المغربي وجرت تصفيته على خلفية ثورة القايد اليوسي، بعد الاستقلال.
وهكذا تحولت من إقامة قائد إلى أقرباء الشخصية العسكرية التي كان صاحبها مقربا جدا من الملك الراحل الحسن الثاني بعد سنة 1963. وبعد فشل الانقلاب في قصر الصخيرات وإعدام المتورطين أشعرت العائلة الأصلية المالكة للقصبتين التاريخيتين وزارة الداخلية ووصل التقرير إلى الملك الحسن الثاني الذي أمر على الفور بإعادة القصبتين إلى الملاك الأصليين بعد سنوات من استغلال أقارب الجنرال لها.
يونس جنوحي

عندما يدور الزمن دورته على من صنعوا السياسة والقرار

كثيرة هي الأساطير التي راجت عن عائلات الأعيان المغاربة من زمن هيبة «المخزن» والإدارة القديمة التي كانت تحفل بالوشاة والأتباع والمريدين والعلماء وحتى الجهال الذين وجدوا أنفسهم في قلب هذا الجهاز القديم الذي لا يزال إلى اليوم مصدر فضول كبير للباحثين والمهتمين.
أصبح عدد من الذين كبروا في ظل المخزن موضوع نهايات تصلح للأفلام، وينتهون إلى النسيان أو التوثيق في المصادر التاريخية الغابرة والمنسية في زمن كانت النهايات فيه موجعة تكلف ضحاياها حياتهم. وحتى إذا نجوا من الموت فإنهم يصبحون شبه متشردين مجردين تماما من ممتلكاتهم.
في عهد سلاطين الدولة العلوية القدامى، خصوصا المولى إسماعيل ثم المولى عبد الرحمن ومحمد الثالث، والمولى سليمان أيضا، كانت بعض العائلات المخزنية تتأرجح خلال القرنين 17 و19 بين ضفتي الصعود والنزول في هرم السلطة. لكن بعضها هوى دون أن يرتفع مثل أسرة القدميري وبن غافر وغيلان والمحمدي. وهذه العائلات الأربع كانت موزعة خلال تلك الفترة بين منطقة تازة وصولا إلى فاس ويمثل أبناؤها السلطة المركزية للقصر في فاس ومراكش أيضا.
وبواسطة تلك السلطة كان أفراد هذه العائلات يمتازون بثقل كبير في الدولة، خصوصا وأنهم كانوا يزرعون أبناءهم في الدواوين والمناصب السيادية البعيدة عن الاستوزار لكنها قريبة من خزائن الدولة ومصادر القرار بعقاب قبائل دون غيرها.
تظلمات كثيرة رفعت إلى القصر الملكي كان هؤلاء موضوعا لها، إذ أن بعض القبائل تظلمت للسلطان من بطش أفراد هذه العائلات وكان القصر بين الفينة والأخرى يعاقب هؤلاء بتعيينهم في أماكن أخرى أو تنبيههم بضرورة رد المظالم إلى أهلها أو إنصاف المتضررين، وفي أسوأ الحالات يتعرضون للإعفاء من مناصبهم.
وقتها يصبحون موضوع انتقام من القبائل المتضررة، وكثيرا ما تدخل جيش السلطان لإيقاف حروب حقيقية أزهقت فيها الأرواح وتحولت إلى انفلات كبير، حيث تهدم إقامات الأعيان وتُنهب ممتلكاتهم وتصبح أموالهم حلا لهذه القبائل.
مقربون من المخزن استاؤوا من النهايات التي وصل إليها أصحابهم القدامى، وهكذا تدخل المولى الحسن الأول سنة 1973، مباشرة بعد وصوله إلى السلطة لكي يحمي أسرا مخزنية فقدت الهالة التي كانت لديها، حتى لا يطالهم الانتقام. إذ أن مصير بعض العائلات جعل أخرى تخاف على مستقبلها، وهو ما عرّض ولاءهم المخزني للخطر.
كان ضروريا أن تعود الأوضاع إلى الاستقرار، وهو ما جعل الدولة تباشر إصلاحات كثيرة، لكن مع نهاية عهد المولى الحسن الأول، ومجيء أبنائه إلى السلطة، ودخول فترة توقيع معاهدة الحماية مع فرنسا سنة 1912، أصبح من جديد موضوع الأعيان محط نقاش كبير في المغرب، خصوصا وأن عودة الانتقام من العائلات التي هوت من سلم السلطة أصبحت أقوى من أي وقت مضى في تاريخ المغرب الحديث.

محاكمات صورية لأعيان وأبنائهم انتهت بتشريدهم

في سنة 1955، كانت عائلات كثيرة من الأعيان المغاربة على موعد مع نهاية تاريخها في السلطة. هؤلاء أصبحوا موضوع غضب شعبي كبير ضد فرنسا، بعد عودة السلطان محمد الخامس في نونبر من تلك السنة إلى العرش. وأحيانا كانت الفرحة العارمة وفقدان الجماهير للسيطرة على تصرفات شبان متحمسين، وراء اعتداء على أملاك بعض الأعيان الذين ساندوا وصول بن عرفة إلى العرش.
تعرضت منازل بعضهم للهدم، بينما كان آخرون موضوع عقاب جسدي ورشقوا بالحجارة في الشارع العام وأزهقت أرواح بعضهم مثل الباشا البغدادي الذي جاء من فاس لطلب المغفرة من الملك محمد الخامس بعد عودته من المنفى، لكن الجماهير في الرباط وصلت إليه قبل أن يدخل إلى القصر، وتعرض للقتل على يد المتجمهرين رفقة حارسه الخاص، وتركت جثته فوق الأرض المعبدة إلى أن تدخل رجال الأمن لتطويق المكان وإزالة جثمانه.
هذا القايد كان من بين أكثر القياد نفوذا في فاس، وما أدراك ما فاس، حيث ورث السلطة عن عائلته التي كانت عريقة في خدمة المخزن منذ عهد المولى الحسن الأول. كان خلال بداية الخمسينيات ممن دعموا تعيين بن عرفة مكان السلطان محمد بن يوسف، وأصبح مستهدفا من طرف خلايا المقاومة ورجال الحركة الوطنية إذ كان رفقة آخرين من بين المعارضين الكبار لأفراد الحركة الوطنية.
كان البغدادي يتربع على ثروة عائلية ضخمة وتتبعه قرى في نواحي منطقة فاس لطالما اعتبرت تابعة لنفوذ والده خلال القرن الماضي. وهكذا أصبحت ممتلكاته كلها في مهب الريح بعد سنة 1955، حيث تعرضت إقامته في فاس والرباط للنهب على يد المتظاهرين، ووصل إلى علم الملك الراحل محمد الخامس أن أثاث الفيلا التي كان يأتي إليها في الرباط، بالإضافة إلى إقامته الرسمية في فاس، اختفى أثاثها بما فيها مكتبة عائلية كانت تضم وثائق مراسلات بين ملوك الدولة العلوية وأعيان مدينة فاس من قياد قدامى وكتاب في الدواوين وأيضا بعض القضاة من كبار خريجي القرويين.
غضب وقتها الملك الراحل محمد الخامس عندما علم بأمر إتلاف وثائق قيمة من مكتبات الأعيان الذين طالهم الانتقام بعد إعلان استقلال المغرب، وأمر على الفور بوقف تلك «المجازر» والفوضى التي أعادت ذكريات فترة السيبة التي عرفها المغرب خلال السنوات الأولى للحماية الفرنسية.
بطبيعة الحال، لم يكن أحد من الأعيان المغاربة يتوقع أن تصبح قصته العائلية سيناريو متكامل لمأساة تاريخية، إذ كان وهم السلطة والهيبة والجاه أكبر من أن يسمح لهم برؤية الحافة التي كانوا يقفون فوقها أيام مجدهم.
وهكذا انضموا إلى القافلة الطويلة من الأسماء المخزنية التي هوت من السلطة في فترة تاريخية حرجة، لكي يطالهم الانتقام أحيانا من مجهولين وأحيان أخرى من منافسيهم، ليصبحوا في أفضل حالاتهم منسيين، بينما في حالات كثيرة كانت نهايتهم مأساوية ودموية.

ثروة القايد حمو.. حارب فرنسا خلال العشرينيات وفي 1933 اختفت أمواله
كان القايد حمو من مُلاك القصبات الكبرى في نواحي مدينة ورززات. اللون الأحمر الطيني لجدرانها كان يزيد من رهبة الرجل عندما تظهر من بعيد لضيوفه المفترضين والقادمين إليه من رجال القبائل طلبا للحماية.
وصلت قوته قمتها عندما صاهر المدني الكلاوي وتزوج إحدى أخواته. إذ أن بعض أشعار الأهازيج الامازيغية القديمة كانت تتغنى بحجم الثروة الكبيرة التي كان يتوفر عليها القايد حمو، وازدادت شعبيته عندما وقف وراءه قبيلته بمقاتليها في الأطلس لكي يقاوم الجيش الفرنسي ويخوض ضد الجنرالات الفرنسيين معارك طاحنة.
ورغم أنه كان صهر عائلة الكلاوي العريقة التي كانت صديقة لفرنسا، إلا أنه لم يتراجع نهائيا عن مواقفه وبقي يقود عددا من قبائل منطقة الجنوب الشرقي ونواحي الأطلس سواء في حرب سنة 1914 أو في معارك 1924.
لكن في فترة معارك 1933، والتي قضت فيها فرنسا على عدد من الثوار الشجعان الذين صمدوا في وجه مدافع الجيش الفرنسي، انقلبت حياة هذا القايد رأسا على عقب.
لم تشفع له مصاهرته مع الباشا الكلاوي، إذ إن هذا الأخير اتُهم بخوض معركة تصفية ضد القايد حمو استهدفت إخوته وأراضيه الفلاحية فقط لأن مواقفه من فرنسا وحملة الجنرال «دوغان» الشهير كانت مناقضة لموقف عائلة الكلاوي.
وهكذا أصبح القايد حمو بطل «تراجيديا» لطالما تناقلتها الألسن في الأطلس. إذ أن غارة نفذها ضده الباشا الكلاوي كانت دموية ولم يُسمح لأنصاره حتى بسحب ممتلكاتهم من مخازن القبيلة حيث كان الجميع يودعون أماناتهم بما فيها مدخراتهم الغذائية من الحبوب ووثائق ملكيتهم للأراضي.
كان معروفا أن القايد حمو جعل جناحا من قصره الكبير، الذي كان عبارة عن قصبة من عدة طوابق مبنية بالآجر الأحمر المغطى بالطين المحلي، مخزنا كبيرا لوثائق أزيد من خمسة قبائل متفرقة على ربوع الأطلس ونواحي ورززات الكبرى. وهذه المكانة التي وصل إليها القايد حمو، حتى قبل أن يصبح صهرا للكلاوي، جعلته محط تقدير كبار زعماء القبائل مثل عسو باسلام الذي قاد ثورة بوكافر في المنطقة، إذ كان يشاع أنه من أصدقاء القايد حمو أيضا.
وعندما أغار الكلاوي على صهره سنة 1933، حسب ما نقلته صحيفة «لو بوتي ماروكان» في أرشيفها لتلك السنة، فإن النهاية التي وصل إليها القايد حمو كانت بسبب رفضه الاستسلام لفرنسا، وهو ما جعله يصبح هدفا سهلا لأتباع الكلاوي الذي كان مناصرا للحملة الفرنسية في الأطلس وداعما كبيرا لها، وحليفا للجنرالات الفرنسيين.
الضربة التي عرفتها إقامة القايد حمو عجلت بسقوطه، وأصبحت ممتلكاته حلا لقياد آخرين كانوا يناصبونه العداء. انتشرت إشاعات عن مصير زوجته وعودتها إلى أسرتها في مراكش محتجزة في واحد من إقامات الكلاوي المحروسة، بينما أبناء القايد حمو هربوا إلى حماية أصدقاء والدهم القدامى، ليبقى قصره مهجورا لسنوات بعد نهب كافة مقتنياته وأثاثه، ولم يتم ترميمه إلى بعد مرور سنوات على استقلال المغرب.
بعض القصبات الصغيرة التي جرى ترميمها في إطار برنامج حكومي مؤخرا، تُحسب على أتباع القايد حمو من الأعيان والذين جرى الانتقام منهم أيضا في زمن السيبة التي تزامنت مع تداعيات توقيع معاهدة الحماية سنة 1912 والتي استمرت إلى حدود سنة 1933 قبل أن يصبح الوجود العسكري الفرنسي أمرا واقعا.
ورغم أن قصبة القايد حمو تعرضت للنهب إلا أنها بقيت صامدة أمام الزمن. أما أمواله فقد اختفت تماما وتبادل عدد من القياد والباشاوات أيام الملك الراحل محمد الخامس اتهامات في ما بينهم حول مصيرها وهوية الذين استولوا عليها في تلك الفوضى.

عائلات من الأعيان فقدت أموالها ومنازلها بسبب غارات «السيبة»
جاء في مذكرات أحد أشهر المرافقين العسكريين خلال الحملة العسكرية بالمغرب سنة 1924، حيث اشتغل في منطقة الأطلس الصغير من منطقة سروا، والذي كان يراسل صحفا فرنسية عديدة ليجمع بين العمل الصحفي والمنصب الإداري في مكتب جنرالات الجيش الفرنسي الذين قادوا الحملة، ما يلي: «وجود جيراننا في الضفة الأخرى من الجبل بدأ يزعجنا. أو يغضبنا على الأصح. كلما تم الإعلان عن تجمع معادٍ لنا قرب المخيم، يُعاد تشكيله بعد غارة الطيران. المؤيدون لنا أصبحوا منزعجين من هذا الأمر أيضا.
11 شتنبر، مع تمام منتصف النهار، قادنا الفضول إلى الذهاب ومعرفة ماذا يقع بالضبط. حاولنا إثارة غضبهم، بتقديم قطيع صغير من الأغنام.
لم يمر وقت طويل، حتى بدأنا في تلقي أول الطلقات.
تأهبت قبيلة «النتيفا»، عندما سمعوا تلك الطلقات بدورهم وركضوا في اتجاه العدو. كانت المنحدرات تعج بالبنادق الخشبية التي ينطلق منها البارود مدويا ليملأ السماء بضباب أبيض.
كان هناك فارس بارع كان يقاتل بطريقة مهيمنة على الميدان. استمر القتال طيلة النهار. ولم يتوقف البارود إلا مع المساء. الظلام وحده استطاع إيقاف الحرب بين المقاتلين.
بدون خوف، وباندفاع كبير، انفصل مقاتلو «النتيفا» بعد أن أثبتوا عن جدارة مهاراتهم في القتال. لقد فازوا باستعادة حقلهم المقابل لمخيمنا. وبطبيعة الحال فقد استطاعوا تكبيد عدوهم بعض الخسارات. كان هناك ثلاثة جرحى. أحدهم، للأسف، أصيب بطلقة بالغة شقت بين كتفيه. لقد كان الدم يلطخ جسمه كله. في نفس المساء، كتب القايد للجنرال رسالة عزاء بليغة ومؤثرة، ويرثي أخاه الذي مات بشرف من أجل «المخزن»، وفي اليوم الموالي استضافنا في خيمته، كنت مرفوقا بثلاثة أصدقاء، كان صامتا وهادئا».
هوية القتيل في تلك القوات المغربية التي حاربت مع فرنسا، حددت في نفس المصدر على أنه ينحدر من عائلة أوشطو الشهيرة في نواحي ورززات وصولا إلى أكادير، والتي كان لها صيت كبير في الغارات المهمة خلال تلك الفترة.
هذه العائلة التي فقدت ابنها كانت محظوظة مقارنة مع عائلات أخرى تعرضت لانتقام من طرف قبائل معادية للجيش الفرنسي خلال تلك السنوات. إذ مباشرة بعد إقامة فرنسا لقواعدها العسكرية للمشاة وبناء الثكنات العسكرية وسط الخلاء وإعلاء الراية الفرنسية فوقها، يتم تنظيم غارات مفاجئة يقودها ثوار متمردون من المنطقة، يستهدفون فيها أبناء الأعيان المغاربة المناصرين للجيش الفرنسي، أكثر مما يستهدفون قادة الجيش.
وحسب نفس المصدر فإن عائلات أخرى أمثال أضرضور وبلحسن والقايد بن بوشتى الذي استقر في المنطقة قادما إليها من دكالة، تعرض قادتها للتصفية الجسدية وتم التمثيل بجثتهم لأنهم حاولوا استغلال الحرب لجمع غنائم ومكافآت حصلوا عليها من وراء دعم قوات الجيش الفرنسي. كيف كان يتم هذا الدعم؟
كان هؤلاء القياد يجعلون خيولهم ورجالهم أيضا رهن إشارة القوات الفرنسية حيث يساعدونهم على عبور المضايق والطرق الوعرة، ويصبحون بمثابة دليل عسكري يساعد الجيش الفرنسي على العبور ويضعون بغالهم رهن إشارة الفيالق العسكرية الفرنسية لحمل المدافع التي أغاروا بها على القياد الرافضين للاستعمار، والصعود بها عبر الجبال على ظهور بغالهم لوضعها في النقط التي استمر منها القصف الفرنسي لأيام.
لم يتقبل القياد المتضررون تلك الخيانة من قياد آخرين حصلوا على المال مقابل نقل المدافع عبر الأطلس إلى القمم والسهول التي تم منها القصف.

الرحالة أندروس.. دخل منازل أعيان ونقل مأساة السطو على ممتلكاتهم
المغرب القديم أو المغرب المحرم. كلاهما عنوانان لنفس المذكرات التي أصدرها خلال الخمسينيات الرحالة والمغامر الأمريكي «سي أندروس»، والذي يعتبر اليوم أحد أوائل من ترجموا الشعر الأمازيغي المندثر ووثق له باللغة الإنجليزية.
هذا الرحالة الذي اختار أن يرافق الجيش الفرنسي إلى المغرب ويشتغل محميا بقوات عسكرية، ليتجول في جنوب المغرب مغامرا بحياته ليؤلف مغامراته في كتاب يحكي فيه عن الحياة المغربية وكيف كان الأعيان المغاربة يعيشون حياتهم قبل مجيء فرنسا.
المثير أن هذه الرحلة التي قام بها «أندروس» في الجنوب المغربي، رغم أنها نقلت جوانب أليمة من معاناة السكان مع الجيش الفرنسي، إلا أنها لم تخل من طرافة. إذ أشار إلى أن بعض الأعيان كانوا مفتونين بموضة الأسنان الذهبية. وكانوا يتأملون أسنانه ويستفسرونه إن كانت حقيقية بالفعل أم أنها مصنوعة بالخارج. بدا له الأمر في البداية عاديا، لكن ما إن سأله عنها أشخاص كثيرون، حتى استغرب من الاهتمام الزائد بالأسنان. حتى أن أحد الأعيان كان يضع أسنانا ذهبية كثيرة العدد، ويتزعم قبيلة قضى الجوع على كل سكانها. وهو الأمر الذي يعكس كيف أن الأعيان، رغم إمساكهم زمام السلطة، إلا أنهم كانوا يمارسون دكتاتورية كبيرة، لا شك أنها بسبب عدم شعبيتهم في مناطق نفوذهم. والتفسير التاريخي لهذا التناقض، أن المخزن كان في مرات كثيرة يدعم بعض الأعيان لتمثيله لصرامتهم في جمع الضرائب، وكانت الدولة تمنحهم الشرعية التي يفتقرون إليها وسط القبيلة بسبب سوء علاقتهم مع السكان.
أشار «أندروس» في كتابه الذي كان اكتشافا فريدا للحياة في الجنوب المغربي «المحرم» قبل الحماية، حيث كانت علاقة أعيان الأطلس متذبذبة مع الدولة، وحدث في مرات كثيرة أن أعلنت حالة العصيان ورغبات الانفصال عن سلطة المخزن. وهكذا كان الأجانب واعين بأن الجنوب كان غير مستقر ولم يكونوا ينصحون صحفييهم ودبلوماسييهم بالتوغل في المنطقة الجنوبية بالمغرب. لكن من جهة أخرى، أحسنت فرنسا توظيف الزوايا والأضرحة لصالحها. فبتأمل بعض الأحداث التاريخية، نجد أن كل التمردات التي عرفها الجنوب ضد المخزن والسلطة المركزية، انطلقت من الزوايا والأضرحة، وادعى قياديوها أنهم مدعومون ببركة الأولياء والصالحين لإنجاح «ثورتهم».
هذا التصوير للبذخ على الطريقة المغربية، وإشارته إلى وجود مقتنيات نفيسة في المنازل التي زارها ودخل إليها بدعوة من أصحابها، ختمها بقوله إن أغلبها تعرض للنهب في إطار الفتنة الكبيرة التي عرفها المغرب خلال تلك السنوات، بسبب عدم الاستقرار السياسي وانقسام الأعيان والسياسيين المغاربة وقتها إلى موافق على وجود القوات الفرنسية في المغرب ورافض لها.
تحسر أندروس كثيرا لأنه لم يتمكن خلال رحلته من ملاقاة أحد الثوار المغاربة الأمازيغ ضد فرنسا. بل كان يسمع عنهم الكثير من الحكايات. وقال إنه كان يتمنى لو التقى أحد أبطال الحروب ضد الجيش الفرنسي، لكي يرى كيف كانت القبائل الثائرة تعيش حياتها، خصوصا وأنه رافق ملحقين عسكريين أثناء دخولهم لقبيلة شرق منطقة ورزازات، وقال إنه صُدم عندما رأى حقدا كبيرا على فرنسا في وجوه القرويين رغم أن قادتهم استسلموا لفرنسا قبل أشهر. وتحدث عن أغان شعبية يرددها القرويون في الأسواق الأسبوعية، تحكي عن الجرائم التي ارتكبها الجنود الفرنسيون أثناء إخضاع القبائل. وتقول كلمات إحدى الأغاني التي راجت بشكل كبير خلال تلك الفترة، أي في سنة 1914:
«أصحاب العيون الزرقاء أصبحوا في كل مكان..
كيف سيأتي الخير من وراء زرقة البحر
محال أن نجد خبزا للأيام المقبلة».
هذه الخاتمة تلخص سر نجاح مذكرات أندروس واهتمام الأمريكيين بها عندما نشرت خلال خمسينيات القرن الماضي قبل أن تصبح صناعة المغامرات المشوقة حكرا على التلفاز. خصوصا وأنه نقل جانبا مهما من مأساة الأعيان المغاربة وفقدانهم لثرواتهم وأموالهم وقصورهم التقليدية بسبب الحرب.

بعد انقلاب الصخيرات.. عودة قصبات للدولة بعدما سطا عليها نافذون
حسب ما ورد في تقارير رفعت إلى الملك الحسن الثاني سنة 1972 بعد فشل المحاولة الانقلابية الثانية التي استهدفت الطائرة الملكية، والتي صدرت في أرشيف السفارة الفرنسية في المغرب، وتوجد نسخة منها لدى خزانة باريس، فإن الملك الراحل توصل أسبوعا واحدا بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة التي عرفها قصر الصخيرات في العاشر من يوليوز 1971 بتقرير مفصل عن الجنرالات المتورطين والذين جرى إعدامهم. يقول التقرير إن خمسة شخصيات عسكرية كانوا يستفيدون من ممتلكات وأراض باستعمال صفتهم العسكرية في القبائل التي كانوا ينتمون إليها.
في منطقة أزرو رفع إلى وزارة الداخلية تقرير مفصل عن قصبتين جرى تفويتهما إلى أقرباء شخصية عسكرية، لم يكشف التقرير الذي يوجد في الأرشيف الفرنسي الرسمي عن هويته، كانوا يشغلونها ويقيمون فيها بعد أن صودرت من أحد القياد الذين كانوا موالين لجيش التحرير المغربي وجرت تصفيته على خلفية ثورة القايد اليوسي، بعد الاستقلال.
وهكذا تحولت من إقامة قايد إلى أقرباء الشخصية العسكرية التي كان صاحبها مقربا جدا من الملك الراحل الحسن الثاني بعد سنة 1963. وبعد فشل الانقلاب في قصر الصخيرات وإعدام المتورطين أشعرت العائلة الأصلية المالكة للقصبتين التاريخيتين وزارة الداخلية ووصل التقرير إلى الملك الحسن الثاني الذي أمر على الفور بإعادة القصبتين إلى الملاك الأصليين بعد سنوات من استغلال أقارب الجنرال لها.
نفس الأمر ينطبق على بناية تاريخية تعود ملكيتها إلى أحد القياد نواحي خنيفرة، حيث جرى إعدامه على يد أتباع الخلايا السرية للمقاومة سنة 1954 وتحولت داره الكبيرة التي كان يضرب بها المثل في توفرها على المقتنيات النفيسة والديكورات، إلى ملكية كولونيل كان مقربا من الجنرال أوفقير، حيث حولها إلى إقامة خاصة له بعد ان أصبح مقربا من الرجل الثاني في الدولة. حتى أن الجنرال أوفقير حضر شخصيا احتفالات أقيمت على شرفه داخل تلك الإقامة الفاخرة، وبقيت تُستغل من طرف الكولونيل إلى أن مات الجنرال أوفقير بعد فشل محاولة الانقلاب الثانية التي استهدفت الطائرة الملكية صيف 1972، ليجد صديقه الكولونيل نفسه مجبرا على مغادرة الإقامة.
كانت حملة تطهيرية سرية جرت في الخفاء، وتابعتها الأعين الأجنبية في المغرب باهتمام بالغ، إذ نتجت عنها إعادة توزيع الممتلكات وإعادة أخرى إلى ملكية الدولة بعد أن استفاد منها النافذون لسنوات طويلة مستغلين مناصبهم والوضعية الاعتبارية التي كانوا يستفيدون منها.
حتى أن فاطمة أوفقير، زوجة الجنرال أوفقير، تحدثت في مذكراتها الشهيرة عن واقعة حيازة ممتلكات كان يستفيد منها أصدقاء الجنرال مستغلين قربهم منه للوصول إلى ممتلكات الدولة أو السطو على ممتلكات المغضوب عليهم من قياد كبار وشخصيات نافذة حكم عليها بالإعدام في ملفات حساسة منها الأمن الداخلي للبلاد أو الخيانة. وذكرت كيف أن الملك الحسن الثاني أشرف بنفسه على إعادة تلك الممتلكات القديمة إلى أصحابها بعد سنوات على استغلالها من طرف نافذين مقربين من الجنرال أوفقير، ومنهم أيضا من كان يستعمل اسمه للحصول على رخص بناء في أراض كانت في ملكية هؤلاء القياد القدامى الذين دار الزمن عليهم دورته.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى