
محمد اليوبي
مع اقتراب فترة الاصطياف، فوجئ زوار منتجع مهدية بضواحي مدينة القنيطرة باختفاء الشاطئ وارتفاع مستوى مياه البحر، ما تسبب في انهيار الكورنيش، الذي يشكل متنفسا لسكان عاصمة الغرب والمدن المجاورة لها، ما يستدعي فتح تحقيق حول أسباب هذه الكارثة البيئية، وكذلك الغش في صفقة تهيئة «الكورنيش» التي كلفت ملايين الدراهم.
اختفاء شاطئ مهدية
أرجعت مصادر مطلعة سبب اختفاء الشاطئ إلى عمليات نهب رمال السواحل المتواجدة بإقليم القنيطرة، في ظل غياب المراقبة من طرف المصالح المختصة، حيث سبق لتقرير أسود، صادر عن برنامج البيئة التابع للأمم المتحدة، أن حذر من خطورة نهب رمال السواحل وتآكل شواطئ المغرب، ومن بينها شاطئ مهدية، الذي تعرض لكارثة بيئية خطيرة بسبب نشاط جرف الرمال، وخلفت هذه الكارثة استياء كبيرا لدى ساكنة مهدية ولدى رواد الشاطئ والفاعلين الجمعويين المهتمين بالمجال البيئي.
وسبق لمكتب دراسات دولي أن دق ناقوس الخطر سنة 2011 عندما اكتشف، أثناء إنجاز دراسة لفائدة وزارة التجهيز والنقل، أن شاطئ مهدية مهدد بالانقراض بسبب نشاط الجرف الذي يلتهم أربعة أمتار من عرضه سنويا، وسبق لباحثين مغاربة، مختصين في علم البحار والساحل، أن حذروا في عدة دراسات من الطابع العشوائي لنشاط جرف المواد المترسبة بواسطة سفن عملاقة، ما تسبب في حفر أخاديد عميقة بالمياه البحرية المجاورة نتجت عنها تغيرات خطيرة في اتجاهات التيارات المائية. وبما أن «الطبيعة لا تحب الفراغ»، فإن أمواج البحر تضطر إلى جرف رمال الشاطئ في اتجاه البحر لملء هذه الحفر، ما يؤدي إلى تآكل الشاطئ.
تلوث مياه الشاطئ
تضمنت الدراسة، التي أنجزها مكتب دراسات دولي (SOGREAH) بمعية مختبر عمومي وطني معروف شهر مارس 2011، مجموعة من الاستنتاجات التي لا تدع مجالا للشك، حيث أكدت أن شاطئ مهدية يفقد سنويا أربعة أمتار من عرضه، فضلا عن أن المعلومة الخطيرة التي أتت بها هذه الدراسة هي أن نتائج التحاليل المخبرية التي أنجزت على عينات من رمال شاطئ مهدية أكدت تواجد نسبة عالية من المعادن الثقيلة، سيما الزئبق الذي بلغت نسبته 2,36 ملغرام لكل كيلوغرام من الرمال، وهي نسبة جد عالية وتفوق بكثير العتبة المرجعية المتبعة في فرنسا مثلا، والتي لا يجب أن تتعدى في أي حال من الأحوال 0,8 ملغرام لكل كيلوغرام من الرمال، وأكدت التحاليل كذلك أن نسبة المواد الهيدروكربونية بدورها مرتفعة.
مخلفات جرف رمال البحر
أكدت دراسات أخرى، أنجزها خبراء في علم البحار بكلية العلوم بالقنيطرة، أن عملية الجرف التي كانت تتم على مقربة من هذا الشاطئ كانت تنجز بواسطة سفينة تمتص الرمال من قعر البحر، وتخلف عمليات جرف الترسبات القعرية حفرا كبيرة تؤثر على دينامية انتشار الأمواج بفعل الانتقال المفاجئ من عمق معين إلى عمق أكبر تنتج عنه تغيرات في اتجاه انتشار الأمواج وكذلك في حدة التيارات البحرية، وهو الأمر الذي يمكن أن يؤثر في تغيير توزيع المواد الرسوبية في المجال البحري بشكل مخالف لديناميته الأصلية، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تعرية الشواطئ المستقرة وإضعاف قدرتها على مواجهة عوامل التعرية وتعريضها بشكل أخطر لغمر البحر كما هو الحال في مهدية.
وتسببت عمليات الجرف في تهديد الثروة البحرية، حيث تحمل معها الأسماك الصغيرة واليراعات وبيض بعض الأحياء المائية، لكنها تتسبب أيضا في تحريك المعادن الثقيلة لتحملها التيارات المائية نحو الشاطئ، فهذه المعادن الثقيلة والسامة أتت بها مياه الوادي خلال عشرات السنين لتستقر عند مصب نهر سبو لتتكفل التيارات المائية بطمرها تحت طبقات من الرمال وتحد بالتالي من خطورتها، إلا أن عمليات الجرف العشوائي، التي استمرت لأكثر من عشر سنوات بمصب نهر سبو، تسببت في تحريك هذه المعادن الخطيرة التي طفت على سطح المياه لتحملها حركة الأمواج والتيارات المائية نحو شاطئ مهدية.
مخاطر تهدد الثروة السمكية
أظهرت البحوث العلمية أن للجرف انعكاسات مباشرة على السواحل وأخرى غير مباشرة تتسبب في ابتعاد عدد مهم من الأحياء البحرية عنها وفي إضعاف مردودية الصيد البحري، وكشفت أنه عند قيام عملية الجرف يتم تغيير في درجة حرارة المياه التي ترتفع، وكذلك ضحالة المياه التي ترتفع إثر عملة الشفط والتي تؤدي إلى تحريك المواد الدقيقة، مع حدوث تغيير في الترسبات القعرية التي يتم انتزاعها مع كل مكوناتها الحية، ثم تلويث المياه والترسبات على إثر إحياء المواد السامة التي تراكمت في مصبات الأنهار والساحل ويؤدي هذا إلى تدفقات ملوثة.
وتتسبب عمليات جرف الرمال في إعادة انتشار المواد الملوثة على القعر وذلك أثناء عمليات الحفر والغمر، الشيء الذي يؤثر على صحة الحيوانات البحرية بمختلف تراتبيتها في السلسلة الغذائية، والتي لا يسلم منها الإنسان بعد استهلاكها، ناهيك بأن المواد العالقة تؤدي إلى إفقار البيئة البحرية من الأوكسجين وبالتالي إلى اختناق الأحياء بطيئة التنقل، وتؤثر المواد العالقة أيضا على أحياء القعر باختناقها وهجرة الأسماك القعرية، وكذلك هجرة الأحياء البحرية بفعل تدهور بيئتها بسبب التلوث أو بفعل ضجيج آلات الحفر.




