الرأي

الاتحاد الشبح

حسن البصري

في مثل هذا اليوم من سنة 1989 وقع قادة دول المغرب العربي عقد قيام اتحاد يلم شتات دول المنطقة. تصافح الزعماء من شرفة مقر قصر بلدية مراكش، ومضى كل إلى غايته وهو يتأبط وثيقة محشوة بالأحلام.
تبين أن المعاهدة قد كتبت بالماء وأن حروفها تبخرت مع مرور الأيام، فقد مات الحسن الثاني والشاذلي بن جديد ومعمر القذافي وزين العابدين بن علي ولم يبق على قيد الحياة سوى معاوية ولد سيد احمد الطايع شافاه الله، ووثيقة المعاهدة تآكلت كلماتها فنالت صفة مخطوط.
منذ ذلك الحين لم نعد نسمع إلا بالوحدة المتنقلة لنقل مباريات الكرة، وكأس المغرب العربي ومقهى الاتحاد المغاربي التي أغلقت بسبب الشيشا، فيما حل الشتات بديلا للالتئام وانتشرت بين الحدود قوات حفظ السلام.
يقول مدير الإذاعة السابق عبد الرحمان عاشور، في مذكراته، إنه عاش لحظات عصيبة يوم الجمعة 17 فبراير 1989، والإذاعة تستعد لنقل مراسيم توقيع معاهدة اتحاد المغرب العربي، تزامن التوقيع مع النقل المباشر لوقائع صلاة الجمعة، والتي كان مقررا أن يؤديها الملك بمعية رؤساء الجزائر وتونس وموريتانيا ثم ليبيا في مسجد الكتبية، خيل للمدير أن عقارب الساعة تسابق الزمن، “تأخر نقل وقائع صلاة الجمعة وكان الزعماء المغاربيون يتبادلون الحديث في قاعة الاجتماع، لكن حصل ما لم يكن متوقعا فقد رفع أذان صلاة الجمعة في جميع مساجد مراكش باستثناء مسجد الكتبية، وزاد الأمر تعقيدا بعد اقتراب موعد صلاة العصر، ولم أتنفس الصعداء إلا بعد أن شرع الفقيه بنعمر في إمامة الزعماء بصلاة العصر”.
ظهر وكأن الاتفاقية يتبعها الأذى وأنها خارجة مائلة من قصر البلدية، وكل ما يوقع في المقاطعات والجماعات ينتهي في دهاليز الأرشيف. ثلاثة أيام بعد هذه المعاهدة، سيترأس الملك الراحل الحسن الثاني درسا دينيا في إطار الدروس الحسنية الرمضانية ألقاه الفقيه المغربي الحسن بن الصديق.
قال الفقيه في درسه الحسني إن العقود التي تبرم وقت صلاة الجمعة لاغية وأفتى ببطلانها، واستند العالم الطنجاوي في ذلك إلى قوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع”. واعتقد البعض من خلال ردة فعل الملك الراحل، أنه قد فهم “همز” ابن الصديق الذي كان يشير إلى معاهدة الاتحاد المغاربي.
ولما استنتج الحسن الثاني ما قصده أو لم يقصده الحسن بن الصديق قاطعه قائلا: “أتمم الآية آلفقيه”. وقرأ خريج جامعة القرويين بقية الآية التي تقول: “فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون”. ولما أتم الفقيه الآية أشار إليه الملك الراحل بسرعة الانتهاء من المحاضرة وقال له: “بقات ليك غير خمس دقائق باش تنهي الدرس”.
لكن انفجارا ضرب فندق أسني غير بعيد عن مقر توقيع معاهدة الاتحاد المغاربي بمراكش، أبطل بنود الاتفاقية وأغلق معبر جوج بغال، وحين ضمد المغاربة جراح الانفجار ظهرت أعراض أمراض أخرى في جسد معاهدة بتر منها حرفا الميم والدال فأصبحت “عاهة” مزمنة.
عجزت الرياضة عن ترميم ما أفسدته السياسة في دول المغرب العربي، فقاطعت الجزائر مباريات في العيون بسبب خلطة ماكرة، وفي ملعب رادس انتحرت عرى الأخوة وبيع في المزاد العلني ما تبقى من أثاث الوحدة وتم تسريح حارس البوابة بعدما تبرع بالخرائط للجيران.
عجز الفن أيضا عن إحياء عظام الوحدة وهي رميم، فقد تعرض فريد الأطرش لهجمة في مسرح بقسنطينة شرق الجزائر، ومنع من صعود الخشبة فقط لأن أغنيته “بساط الريح” التي تعد عنوانا لوحدة عربية سقطت منها الجزائر سهوا أو لهوا.
تبين بالملموس صدق الكاتب جلال عامر حين قال إن الوحدة العربية هي أن تعاني كل دولة عربية من الشعور بالوحدة.

إقرأ أيضاً  «لا أحد يموت بتولا»
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى