
مارس المنبهي، وبعده جل رجال المخزن الأوفياء للقصر، ما يشبه حربا نفسية ضارية ضد «بوحمارة»، إلى درجة أن التمثيليات الأجنبية في المغرب لم تُساير تلك الحرب، وبدا بالملموس أنهم فقدوا البوصلة في تتبعهم للأحداث المتسارعة التي كانت تمر بها البلاد
يونس جنوحي
كان سبب خيبة المنبهي، رغم نجاحه في كبح بوحمارة عن فاس، أنه لم يعتقله. فقد كانت أوامر السلطان المولى عبد العزيز، في أواخر يناير 1903، واضحة، وتقتضي ألا يعود الوزير إلى فاس إلا وبوحمارة في قبضته.
وهكذا قضى الأشهر الثلاثة، ابتداء من فاتح فبراير من تلك السنة، وصولا إلى يوم 29 أبريل، في الاستعداد للنيل من «بوحمارة» وطي ملفه بشكل نهائي، وهو ما لن يتم دون اعتقال الثائر.
المطلوب الأول في المملكة
إذا كان «بوحمارة»، أو الجيلالي الزرهوني، المطلوب الأول في المملكة، فإن رأس المهدي المنبهي كان، أيضا، مطلوبا من طرف منافسيه في القصر الملكي.. خصوصا وأن الانطباع السائد في دار المخزن مفاده أن مستقبل المنبهي في السلطة متوقف كليا على اعتقال بوحمارة، وليس على قُربه الفعلي من السلطان.
المثير في تحركات «بوحمارة» أنه بقي محافظا على «لياقته» على الميدان، رغم نجاح المنبهي في تعطيله عند باب تازة، وسلبه حصنا كان منيعا بالنسبة له إلى وقت قريب.. لكن هذا كله لم يكن كافيا، فقد كانت الإطاحة بـ«بوحمارة» تتطلب أكبر من ذلك.
كان الوزير المفوض البريطاني في طنجة الدولية ينتظر بفارغ الصبر أن يسمع الأخبار القادمة من فاس. فقد كان من مصلحة بريطانيا أن يعزز المهدي المنبهي، «صديق الوزير»، مكانته داخل القصر، ولم يكن في مصلحة الإنجليز أن يصل «بوحمارة» إلى السلطة أو يحقق أي تقدم على الميدان، لأنهم، ببساطة، لم يكونوا فتحوا معه باب أي تفاوض، على الأقل إلى حدود نهاية سنة 1903.
حاول المنبهي طمأنة الإنجليز، وفي مراسلة بتاريخ 12 مارس 1903، أي قبل خروجه لمواجهة بوحمارة على نطاق واسع في نهاية أبريل، أكد لهم أن مصير هذا الثائر سيكون نفس مصير أجداده الذين ثاروا على المخزن أكثر من مرة، واعتبر أن هذه الثورة ليست إلا حلقة ضمن حلقات سابقة قادتها قبيلة «زرهون» ضد المخزن في أكثر من مناسبة.
الحرب النفسية
قاد المنبهي حربا نفسية ضد «بوحمارة». فقد كان يعلم جيدا أن اسم الجيلالي الزرهوني سيؤثر في الناس، خصوصا في فاس، وفضل أن يعمل على نشر اسم «بوحمارة» الذي تم ابتكاره استهزاء بالزرهوني، الذي كان كاتبا ومتعلما وسبق له الاشتغال في دار المخزن، لكنه كان يتنقل في بداياته على حمار بين الأسواق أثناء نشره لدعوته.. وهكذا فضل المخزن -ممثلا في المهدي المنبهي بالدرجة الأولى- أن يقلل من شأن بوحمارة، وفي المرحلة الثانية انتشرت إشاعات كثيرة مفادها أن «بوحمارة» يستغل الشعر والشعوذة لنشر دعوته بين الناس. والدليل أن مؤرخين مغاربة من القرن الماضي، نقلوا هذه الإشارات والتزموا بها حرفيا. ونجد أن المختار السوسي، مثلا، عندما تطرق في كتابه «المعسول» لسيرة بوحمارة، قال عنه: «إنه لما له من السحر وعلم الأسماء خرج من دار المخزن بين الناس، ولم يظهر للعيون».
أما الوزير غريط، الذي اشتغل مع المولى الحسن الأول، فقال، في كتابه الذي دون فيه ما يشبه المذكرات، «فواصل الجمان»، متحدثا عن شخصية بوحمارة:
«إنه ساحر شق عصا الطاعة».
مارس المنبهي، وبعده جل رجال المخزن الأوفياء للقصر، ما يشبه حربا نفسية ضارية ضد «بوحمارة»، إلى درجة أن التمثيليات الأجنبية في المغرب لم تُساير تلك الحرب، وبدا بالملموس أنهم فقدوا البوصلة في تتبعهم للأحداث المتسارعة التي كانت تمر بها البلاد. أما الفرنسيون فكان لديهم امتياز احتلال الجزائر، وفهموا بسرعة مطالب «بوحمارة» واحتياجاته، بفضل إلمامهم بالأوضاع في الجهة الشرقية.
الحرب النفسية وحدها لا تكفي.. وإذا كان المنبهي حاول فرض نوع من الضغط والعزلة على «بوحمارة»، فإنه كان يفكر، أيضا، في طريقة يستعيد بها ثقة السلطان المولى عبد العزيز.
كان المنبهي يشتكي لأصدقائه الإنجليز، في اعترافاته لاحقا بعد إقالته بسنوات وهو في منفاه في طنجة الدولية، أن السلطان «جافاه» بعد عودته من الحرب ضد «بوحمارة» على مستوى مدينة تازة. وقضى المنبهي أيامه، إلى حدود نهاية أبريل 1903، وهو يدرس كيف يستطيع استعادة ثقة السلطان.
كان السلطان يشيح برأسه عن المنبهي كلما تحدث معه الوزير عن أمور تهم الجيش أو تطورات تحركات «بوحمارة».. لم يكن السلطان يحتاج، في كل مرة، أن يذكر وزيره بأن تعليماته واضحة: اعتقال بوحمارة لإخماد ثورته وليس ملاحقة بعض مريديه بين التلال.





