الافتتاحية

العين الحمرا

ما قام به الجيش الجزائري بقيادة سعيد شنقريحة، قائد هيئة أركان الجيش، من تمارين عسكرية في المنطقة العسكرية الثّالثة في تيندوف، بالقرب من الحدود المغربية، مستخدما الذخيرة الحية يعتبر لعبا بالنار في منطقة ملتهبة، واستفزازا مجانيا للمغرب.

فقد ترك شنقريحة مئات الكيلومترات على طول التراب الجزائري ولم يحل له القيام بتمارينه العسكرية سوى بالقرب من الحدود المغربية.

ومؤخرا لا يكاد يمر يوم دون أن تذيع القنوات الجزائرية أفلاما مفبركة عن حرب افتراضية تدعي فيها انتصارات وهمية ميدانية في الصحراء المغربية. بعض هذه الأفلام مصنوع بلقطات من حرب اليمن وبعضها من سوريا وليبيا.

وبسبب تشابه السحنات بين أبناء شمال إفريقيا يصعب على المتتبع العادي أن يتبين الحقيقة من الزيف. لذلك من يتتبع القنوات إياها سيعتقد أننا في حرب عالمية ثالثة حيث القتلى بالعشرات والأسرى بالمئات والخسائر بالمليارات، وذهبت الظنون بالأعداء الشرقيين حد الحديث عن انسحاب المينورسو بسبب «اشتداد المعارك»، والحقيقة أن لا شيء من هذا يحدث على أرض الواقع، لأن فريق المينورسو في مواقعه لم يسجل أي حادثة إطلاق نار، أما حديث العدو عن انتصارات وقتلى مغاربة وأسرى فهذا يدخل في نطاق أحلام اليقظة.

هكذا لم يجد ورثة بومدين وسيلة يبررون بها الفراغ الموجود في رئاسة الدولة والفساد المستشري في النظام غير نظرية المؤامرة البالية التي تتصور أن المغرب يضع شيئا اسمه الجزائر ضمن اهتماماته، فيما الحقيقة أن المغرب له رهان ذو أولوية منذ 45 سنة هو استكمال وحدته الترابية وإنهاء أطماع الأجانب بترابه. لذلك جن جنون العسكر لما خبروا خبر اليقين أن أكبر قوة بالعالم وهي أمريكا قد اعترفت بمغربية الصحراء، وبادرت إلى فتح قنصلية في المنطقة، بل ونظمت مؤتمرا ضم 40 دولة حول الملف استطاع أن يستقطب دولا كانت إلى أمد قريب دولا محايدة وذلك لصالح الموقف المغربي.

عسكر الجزائر يفهمون في السيف ولا قِبل لهم بالقرطاس والقلم، لذلك نراهم يركزون هذه الأيام على قضايا اجتماعية من قبيل الفيضانات التي شهدتها بعض المدن محاولين جاهدين تجاهل أن اعتراف أمريكا بمغربية الصحراء ليس أمرا ثانويا اتخذه ترامب في الأيام الأخيرة لولايته الرئاسية بل إنه قرار سياسي عند الأمريكان لن يستطيع الرئيس الجديد التراجع عنه، ومن يعرف طبيعة علاقة الحزب الديموقراطي الأمريكي بالمغرب عبر تاريخه يعرف أكثر من غيره أن هذا يدخل ضمن المستحيلات. فالمرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون كانت هنا بين ظهرانينا مرارا والرئيس الجديد زار المغرب رسميا وأيضا بشكل غير رسمي، وعسكر الجزائر يعرفون جيدا أن الأربع سنوات القادمة ستنهي الملف نهائيا وإلى الأبد، ودليلهم في هذا أن دولا وازنة في السياسة الدولية وعلى رأسها إنجلترا ستفتح قنصليات لها في الأقاليم الصحراوية، وهو ما يعني أن المغرب حصل على ثلاثة أصوات دائمة لها حق الفيتو في مجلس الأمن هي أمريكا وفرنسا وبريطانيا، أي لا مجال مرة أخرى للقضايا المفتعلة حول حقوق الإنسان التي يتشدق بها كراكيز عسكر الجزائر في تيندوف.

مع التأكيد أن مواقف الصين وروسيا هي مواقف براغماتية بالمعنى الحقيقي للكلمة وليست مواقف عقائدية كما كان عليه الأمر قبل التسعينات إبان الحرب الباردة.

على مدى سنوات ما فتئت الدولة المغربية تجدد نداءها إلى الجزائر لـ«بناء المغرب العربي الكبير» وتجدد النداء نفسه طوال العشرين سنة في كل مناسبة، وكان «الجار العدو» يكتفي عقب كل نداء باستضافة خبراء الطابور الخامس ليتحدثوا عن «الهوس المغربي» بالجزائر.
وبعدما فهم المغرب أنه لا حياة لمن تنادي، بسبب أن خلف الحدود الشرقية عسكر يستمدون مبررات سطوتهم على شعب بنظرية المؤامرة التي يتوهمون أن المغرب يقف وراءها، فإنه لا تجب إضاعة المزيد من الوقت في تقديم براهين ودفوعات بنوايا حسنة أمام أشخاص ذوي نيات سيئة. هذا المثل ينطبق على علاقتنا بالجزائر، لقد ضيعنا سنوات طويلة في إبداء حسن النية والالتزام بحسن الجوار والإعراض عن رد الشتيمة والإساءة بمثلها، والآن يبدو أن وقت الإقلاع عن هذا السلوك قد حان، خصوصا بعدما انخرط الإعلام الجزائري الرسمي في مسلسل اختلاق «الأفلام» ضد المغرب ووحدته وكرامة مواطنيه.
أعتقد أننا لم نعد مطالبين بالاستمرار في إظهار حسن نيتنا لحكام بلد جار ذوي نوايا سيئة. الحل الأنسب هو إدارة الظهر لهذا البلد بشكل كامل، بما في ذلك سحب السفراء وقطع العلاقات والانشغال بما يفيد الشعب المغربي.

الآن ينبغي أن نعترف بأن ما يعرف بحلم «المغرب العربي الكبير» قد أضحى حلما مستحيلا بسبب عدوانية الجار الجزائري. فالوحدة بين الدول لا يمكن أن تتحقق إلا مع الدول الديموقراطية، فيما الجزائر دولة يحكمها العسكر.
انتهى زمن عواطف الأخوة الزائفة وحان الوقت لنعترف بيننا وبين أنفسنا بأن في شرق وطننا أعداء ولدتهم «أمنا» العروبة، وأننا محاطون بالخصوم من كل نوع، وأن «العين الحمرا» ضرورية بين وقت وآخر حتى لا يفسر أحدهم طيبوبتنا الفطرية على أنها خوف وجبن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى