الرأيالرئيسيةرياضة

انتحار الروح الرياضية

حسن البصري

حين خرج المنتخب الموريتاني من منافسات كأس أمم إفريقيا لكرة القدم، التي تحتضنها كوت ديفوار، إثر هزيمته بنطحة من الرأس الأخضر، لم يستطع مدافع جارتنا الجنوبية، ياسين الشيخ والي، مرافقة زملائه إلى نواكشوط، فاختار السفر إلى مسقط رأسه تندوف.

ولأن ياسين هو المتسبب في إقصاء المنتخب الموريتاني إثر خطأ فادح، حين أهدى لمهاجم الرأس الأخضر كرة على طبق من ذهب، ساهمت في هزيمة الموريتانيين وخروجهم من المنافسات، فإنه افتقد «الوجه» الذي سيقابل به جمهور «المرابطين»، ففضل السفر إلى مخيمات الانفصاليين، حيث استقبل استقبال الفاتحين.

تناقلت منصات التواصل الاجتماعي صور اللاعب الموريتاني ياسين وهو يتوسط فريقا لكرة القدم من الفئات الصغرى للانفصاليين، ووصفته بعض الكتابات بـ«البطل المغوار المدافع عن عرين موريتانيا».

اقتص اللاعب من وقته نصف ساعة، وتوسط لاعبي الفريق الانفصالي الناشئ، الذي يقضي سحابة يومه في ممارسة كرة محشوة بالإيديولوجيا. وقبل أن يغادر الملعب وجه نصائحه إلى النشء وشحنهم بما تيسر من حقد وضغينة، فيما دعا المدرب الأطفال إلى الاقتداء بسيرة هذا اللاعب، الذي لعب دورا كبيرا في إقصاء منتخب موريتانيا من بطولة أمم إفريقيا، بأخطائه التي أحدثت ثقبا في دفاع «المرابطين».

كان مشهد اللاعب وهو ينصح الناشئين أشبه بعاهرة تحاضر في الأخلاق والقيم، وهو الذي جعل من منصة التواصل نافذة لنفث سموم الانشقاق والعداء والأحقاد.

ادعى ياسين رفضه عروضا من الوداد، لكنه لم يحدد أي وداد يقصد وداد بوفاريك، أم وداد تلمسان، وأمام نظرات الإعجاب تحدث عن شروطه التعاقدية ومشاريعه المستقبلية، دون استحياء، وكلما سمع تصفيقات الحاضرين رفع سقف الكذب وعرقل الحقائق في مربع العمليات.

يتهافت الجزائريون لجعل الرياضة نافذة للدبلوماسية الموازية، والدفع قدر الإمكان بالانفصاليين الذين يعيشون تحت جناح الذل، إلى الواجهة الرياضية حين تسود وجوههم في الواجهة السياسية.

عندما كنا منشغلين بخروج منتخبنا من «الكان» وأصبحنا في خبر كان، نظمت الجزائر بطولة شمال إفريقيا للشطرنج بمدينة بجاية، بحضور تونس وموريتانيا والبلد المنظم، بينما اعتذرت مصر وليبيا والمغرب عن حضور مسابقة رياضية محشوة بالسياسة.

التنديد وحده لا يكفي والتهديد بالانسحاب لا يفي، ما دامت سياسة الكرسي الفارغ والغياب التام عن دائرة القرار في كثير من الرياضات، تمنح خصوم وحدتنا الترابية فرصة الانسلال إلى التظاهرات القارية والعالمية ولو من تحت الباب.

حدثني صديقي عبد الله لماني، أشهر أسير في سجون البوليساريو، عن الكرة في زمن الأسر، فروى لي حكايات وسط أنين الألم ورعب الجلادين.

أعادني عبد الله إلى صيف 1986، حين شارك المنتخب المغربي في نهائيات كأس العالم بالمكسيك، وكشف لي عن فرحة الأسرى بانتصار المغرب على البرتغال، وكيف اعتقلت البوليساريو فرحتهم وصادرت مشاعرهم.

 من بين ثنايا القهر لحظات فرح مؤجلة، سيخرج المعتقلون ذات صباحا من الزنازين لإجراء مباراة في كرة القدم، ستجمع فريقا من الأسرى المغاربة ضد فريق أغلب عناصره من حراس سجون الانفصاليين. كانت مناسبة لتقول الكرة كلمتها في نزال آخر.

وكانت رغبة القائمين على البوليساريو، ممارسة ساديتهم وهزم المغاربة حتى ولو كانوا تحت الأسر، والاستمتاع بالانتصار على المغاربة في معركة الكرة.

سألت عبد الله عن حكم المباراة، فقال: «إنه عمر الحضرمي، مدير الأمن العسكري، الذي أوصى الجلادين باستحضار الروح الرياضية وهم ينازلون المسجونين».

في الجولة الثانية من المباراة سينضم الحكم إلى صفوف الأسرى المغاربة، والذين فازوا بخماسية، وبعد سنتين سيفر حكم المباراة إلى المغرب بصفارته، استجابة لنداء «إن المغرب غفور رحيم»، ويصبح عاملا، ثم واليا في عدد من مدن وجهات المملكة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى