شوف تشوف

تبع الكذاب حتى لباب الدار

إذا كان هناك شيء “يصرعه” قادة حزب العدالة والتنمية فهو تلبيس الحق بالباطل ولي أعناق الحقائق لكي تتماشى مع هواهم.
حضرتني هذه العادة السيئة وأنا أقرأ فقرة من بلاغ الأمانة العامة للبيجيدي عقب اجتماعها الأخير يقول :
“تؤكد الأمانة العامة على أن مراجعة القوانين الانتخابية وجب أن تكون مناسبة لتعزيز الاختيار الديمقراطي وصيانة المكتسبات المحققة في هذا المجال، خاصة ما يتعلق بنظام اللائحة الذي يعزز التصويت على أساس البرامج السياسية، ويقلص من حدة الفساد الانتخابي، واعتماد قاسم انتخابي يعزز المشاركة والمحاسبة السياسية من خلال ممارسة حق وواجب التصويت. ومن هنا فإن احتساب القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين يخالف المقتضيات الدستورية والمنطق الانتخابي السليم، كما يخالف ما هو معمول به في التجارب الديمقراطية المقارنة”.
وبمجرد الانتهاء من القراءة تبادرت إلى ذهني الأسئلة البسيطة التالية :
هل نظام اللائحة حقق هذه الأشياء التي يتحدث عنها البلاغ؟ هل قلص من حدة الفساد الانتخابي؟
هل عزز المحاسبة السياسية؟ هل ساهم في جعل الحزب الحاكم يطبق برنامجه السياسي الذي وعد به؟
الجواب عن هذه الأسئلة البديهية يمكن أن يكون على شكل أسئلة من قبيل :
ألم يزدد في هذه العشر سنوات الأخيرة على عهد حكم العدالة والتنمية مؤشر الفساد بشهادة كل التقارير؟ ألم يتعزز الإفلات من العقاب في عهدهم؟ ألم يعترف الحزب بفشله في تطبيق البرنامج الذي جاء من أجله والذي وعد به الذين صوتوا له؟
إذن لماذا التمسك بقوانين لم تف بالغرض؟ إلا إذا كان الحزب يقصد بالمكتسبات “التي تجب صيانتها” الفيلا والسيارة والتعويضات والمعاش السمين فهذا كلام آخر.
والواقع أن الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية أخرجت النقاش الدائر داخل جلسات المفاوضات بين وزارة الداخلية وقادة الأحزاب السياسية من مجالس السر إلى دائرة العلن، وطبعا فالهدف واضح يتجلى في ممارسة الضغط على الطبقة السياسية من أجل الحفاظ على الوضع القائم الذي يخدم مصالح الحزب الحاكم الذي لم يشبع بعد رغباته من ملذات السلطة.
فالبيجيدي يدرك أنه أصبح يعيش عزلة قاتلة داخل الأغلبية وفي علاقته بالمعارضة وداخل الائتلاف الحكومي، فهناك شبه إجماع على ضرورة تغيير قواعد اللعبة السياسية لتكون في صالح الجميع وتحقق غايات الاستقرار والتوازن، لكن وبسبب طبيعته التحكمية فحزب العدالة والتنمية يرفض منطق اقتسام السلطة ويبدو مستعدا لفعل أي شيء من أجل الحفاظ على مصالحه ولو بترويج ادعاءات كاذبة والظهور بمظهر الضحية.
طبعا البيجيدي لا يصارح الرأي العام بحقيقة النقاش القانوني والسياسي الدائر بل يحاول الاختباء وراء شعار الاختيار الديمقراطي وإظهار نفسه كأنه الحارس الأمين على الدستور من مؤامرات تدبرها الأحزاب الأخرى بليل.
ولنأخذ مقطعًا من البلاغ الأخير للبيجيدي ونحاول تفكيكه لكي نظهر تهافته ولكي “نتبع الكذاب حتى لباب الدار” كما يقول المثل المغربي.
تقول الفقرة “إن مراجعة القوانين الانتخابية وجب أن تكون مناسبة لتعزيز الاختيار الديمقراطي وصيانة المكتسبات المحققة في هذا المجال، خاصة ما يتعلق بنظام اللائحة الذي يعزز التصويت على أساس البرامج السياسية، ويقلص من حدة الفساد الانتخابي، واعتماد قاسم انتخابي يعزز المشاركة والمحاسبة السياسية من خلال ممارسة حق وواجب التصويت”.
هذه الفقرة تتعامل مع الأنظمة الانتخابية بنوع من السذاجة خصوصا حينما تختزل نقاء وصفاء العملية الديمقراطية في نظام اللائحة حد منحها صفة النظام الانتخابي المثالي والطهراني، وينسى الحزب الحاكم أن لكل نظام انتخابي مزاياه وعيوبه، والاختيار بين نظام الفردي واللائحي ليس اختياراً بين نظام صالح وآخر فاسد، بقدر ما هو ترجيح للنظام الأكثر ملاءمة لتاريخ كل بلد وتقاليده وظروفه وتوافق الطبقة السياسية فيه، وهي أمور تختلف من مكان إلى آخر كما تتغير في الزمان، وإلا سنعتبر أن نظام الاقتراع الفردي الذي تعمل به 70 دولة في العالم، أي ما يقارب الثلث من دول المعمور، نظام فاسد ولا يميز بين البرامج السياسية والدول التي تأخذ به غير ديمقراطية ولا تقوم على أساس المساءلة والمحاسبة.
وهناك شيء يتعمد الحزب الحاكم تناسيه وهو أن مطلب الانتخاب باللائحة هو إنجاز لحكومة التقنوقراط التي قادها إدريس جطو، وكان آنذاك حزب العدالة والتنمية ضعيفا سياسيا ولا يتوفر سوى على 42 برلمانيًا، لذلك لا معنى اليوم أن يعطي قادة العدالة والتنمية دروسا في الديمقراطية سبقه إليها تقنوقراطي.
البلاغ يتحدث عن مساهمة نظام اللائحة في التصويت على أساس البرامج الانتخابية، وهذه كذبة كبرى يعلمها العادي والبادي، فمتى كانت لدينا أحزاب سياسية لها برامج سياسية واضحة ومتميزة؟ البيجيدي نفسه يعلم أن حديثه عن منافسة بين برامج حزبية مجرد مجاز سياسي أكثر منه حقيقة واقعية وقانونية، فكل برامج الأحزاب بالنسبة للمواطنين مجرد كلمات لا امتداد لها ولا تأثير لها على التفضيلات الانتخابية وهي لا تعدو أن تكون ورقة توزع في الحملة وينتهي مفعولها مع تشكيل التحالفات ووضع البرنامج الحكومي الذي يبقى بدوره إعلان نوايا، ولذلك نظام الانتخاب بالقائمة، بالاستناد إلى افتراض أن لدينا أحزاباً لها برامج هو مجرد ضحك على الذقون.
لكن أكبر وهم يريد البيجيدي إقناع الرأي العام به من خلال بلاغه هو أن نظام الاقتراع باللائحة نظام ملائكي يساعد على انتقاء أولياء الله، وهو النظام الوحيد الذي يضع قواعد المحاسبة والمساءلة للشياطين التي تفرزها العملية الانتخابية، والحال أن نظامنا الانتخابي منذ العمل به في تشريعيات 2007 أفرز شياطين من نوع خاص، مخلوقات تبيع الوهم بالدين والأخلاق ثم تشتري بهما ملذات السلطة والمناصب.
هناك اليوم حول العالم أكثر من 100 دولة تأخذ بنظام اللائحة تعترف بأن له سلبياته المرتبطة بصعوبة مهمة الناخب إذ تقع على عاتقه مهمة اختيار عدد كبير من النواب دون معرفتهم، وأنه يقيد من حرية الناخب في اختيار نوابه في ظل القائمة المغلقة التي تعدها الأحزاب السياسية، وقد يجد نفسه مضطرا إلى قبولها كما هي، ويعمل على إضعاف علاقة النائب بالدائرة الانتخابية بسبب كبر حجمها .
أكثر من ذلك اختزل البيجيدي محاربة الفساد الانتخابي في نظام اللائحة والقاسم الانتخابي، وهي لعبة لم تعد تنطلي على أحد، فكل الأنظمة الانتخابية يمكن أن توفر ضمانات مواجهة الفساد الانتخابي المرتبط بتوفر الإرادة السياسية وليس التصميم الانتخابي، ويكفي أن نطلع على تجارب انتخابات الرؤساء في دول العالم فكلها تجري على أساس الاقتراع الفردي لكن تلك الدول توفر البيئة القانونية والقضائية التي تسمح بالضرب على يد المتلاعبين بالعملية الانتخابية. لذلك لا مجال للمطابقة بين الاقتراع اللائحي والنزاهة أو بين الاقتراع الفردي والفساد، فالنظامان لهما محاسن ومثالب.
أما الوهم الخامس الذي يروجه بلاغ الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية فهو قدرة النظام اللائحي على المساهمة في إغراء الناخبين، وهذا أكبر تضليل سياسي، ويكفي الرجوع إلى المعطيات الرسمية لنتأكد أن النظام باللائحة لم يغر بالتحرك نحو صناديق الاقتراع سوى 5 ملايين من أصل 20 مليونا بلغوا سن الرشد السياسي، بل لم يدفع المسجلين الـ15 مليونا للمشاركة في الانتخابات.
والمؤكد أن عدم إقبال المواطنين على المشاركة الانتخابية لا يرتبط بنمط الاقتراع بل يرتبط تحديدا بغياب الثقة في السياسيين الذين لا يهمهم سوى تحقيق مصالحهم الشخصية.
العزوف إشكالية معقدة أكبر من مجرد نمط اقتراع، وجزء كبير من أسبابه مرتبطة بحزب العدالة والتنمية نفسه الذي ساهم في انهيار ما تبقى من جدار ثقة الموطن في السياسة.
والحقيقة التي لا يستطيع الحزب الحاكم التفوه بها، هي أن حزب الإسلاميين لا تهمه أنماط الاقتراع أو العتبة أو القاسم الانتخابي أو أكبر البقايا وأقوى المعدلات، ما يهمه هو الحفاظ على مصالحه الانتخابية، أو ما يسميها “المكتسبات”، والتي توفر له شبكة من الامتيازات والمنافع والحماية ضد المتابعات وأي نظام يضمن له رغباته المادية ويشبع نزواته السلطوية ويحافظ له على “المكتسبات” سيقبله بفرح حتى ولو كان ما بين هذا النظام الانتخابي وبين الديمقراطية ما بين السماء والأرض.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى