حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الافتتاحيةالرئيسيةسياسية

تدبير الكوارث

أضحى تدبير الكوارث الطبيعية في عصرنا الحاضر أحد أبرز معايير قياس جاهزية الدول وقدرة مؤسساتها الرسمية وأجهزتها الأمنية على حماية الأرواح والممتلكات والتقليل من الخسائر، خاصة في ظل التسارع غير المسبوق للمتغيرات المناخية وما تفرزه من فيضانات خطيرة، وموجات حر لا تطاق، وانهيارات أرضية وصخرية وكوارث مفاجئة لم تعد استثناء بل واقعا يتكرر على مر السنة ويشكل تحديا حقيقيا للأجيال اللاحقة.

وفي هذا السياق، المتعلق بالفيضانات التي تضرب شمال المغرب ومناطق أخرى، سجلت المملكة الشريفة، تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس، تقدمها بشكل ملحوظ في مجال تدبير الكوارث، سواء على مستوى تطوير آليات الإنقاذ والتدخل الميداني، أو من خلال التدريبات المستمرة التي تواكب المستجدات المناخية والتحديات المستقبلية.

لقد أبانت لجان اليقظة، التي تعمل تحت إشراف وزارة الداخلية، عن درجة عالية من المهنية في التنظيم والاستباقية، خاصة في ما يتعلق بالحماية من الفيضانات وتبعات تنفيس السدود، وتتبع نشرات الطقس الإنذارية، وتوفير شروط السلامة والوقاية من الأخطار، عبر تنسيق محكم بين مختلف المصالح الأمنية والوقائية والتقنية. غير أن هذا المجهود المؤسساتي الجبار، رغم أهميته البالغة، يصطدم بعجز واضح على مستوى عدد كبير من المجالس المنتخبة، التي فشلت في مواكبة التحولات المناخية والاجتماعية التي يشهدها المغرب، وظلت أسيرة للتدابير الترقيعية وجلها يفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية والجاهزية الميدانية.

وقد ظهر هذا العجز جليا في سلوك بعض المنتخبين خلال فترات الإنذار المناخي، حيث بادر البعض إلى ركوب موجة الكوارث لأغراض انتخابية ضيقة، في محاولة لترقيع القواعد الانتخابية واستغلال معاناة السكان، بينما اختار آخرون الغياب التام، وكأنهم غير معنيين بنشرات الطقس التحذيرية ولا بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم. والحال أن تمثيل الناخبين ليس امتيازا بقدر ما يتعلق بمسؤولية أخلاقية وسياسية تفرض التواجد في الصفوف الأمامية خلال الأزمات، والانخراط الفعلي في تدبير المخاطر بدل الاكتفاء بالخطابات أو الصور الظرفية.

وتعاني العديد من الجماعات الترابية خصاصا مهولا في أسطول وآليات التدخل أثناء حالات الطوارئ، سواء تعلق الأمر بوسائل الإنقاذ، أو التجهيزات اللوجستيكية الضرورية للاستجابة المستعجلة، حيث يزداد هذا الوضع تعقيدا في ظل سوء تدبير المال العام، وغياب الأولويات في صرف الميزانيات، والتنافس على اقتناء السيارات الفارهة لفائدة الرؤساء والنواب، واستعمالها لأغراض شخصية أو سياحية، بدل توجيه الموارد المالية نحو شراء المعدات الضرورية لحماية السكان وتقليص الخسائر البشرية والمادية.

ولا يقل الجانب التربوي أهمية عن التدخلات الميدانية، إذ تبرز الحاجة الملحة إلى إدماج ثقافة التعامل مع الكوارث الطبيعية في المناهج التعليمية، وتمكين الجيل الصاعد من المعارف الأساسية المرتبطة بالوقاية، والإجلاء والتصرف السليم أثناء الأزمات.. خاصة وأن التوعية المبكرة تسهل عمليات الإنقاذ، وتعزز الوعي الجماعي بالمتغيرات المناخية وتصنع مواطنا قادرا على التفاعل الإيجابي مع المخاطر بدل الوقوع في الارتباك أو السلوكيات الخطيرة.

إن الحديث عن تدبير الكوارث لا ينبغي أن يظل محصورا في نطاق التدخلات الظرفية أو المسؤوليات الإدارية الضيقة، بل يجب أن يتحول إلى مشروع مجتمعي شامل، يساهم فيه الجميع من إعلام مسؤول يقوم بدور التحسيس ونقل الخبر الدقيق بدل التهويل والمساهمة في تفشي الإشاعات، ومدرسة تزرع ثقافة الوقاية من المخاطر، ومجتمع مدني منخرط بقوة في يرامج التوعية والمواكبة، إلى جانب مؤسسات منتخبة قوية ومنتخبين يتحملون مسؤولياتهم الكاملة في مقاربة تشاركية قادرة على مواجهة التحديات المناخية المتصاعدة، وتقليص الخسائر إلى أدنى مستوى، فاللهم يا لطيف الطف بنا.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى