الافتتاحية

تصاريح عديمة الجدوى

راسل إدريس جطو، الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، رئيس الحكومة ورئيسي البرلمان لتذكيرهم باحترام قانون التصريح بالممتلكات، والتوجه في أقرب وقت إلى مقر الدركي العام لتقديم كشوفات ممتلكات وثروات المعنيين من هذه العملية الواجبة عليهم ثلاث مرات، أثناء أدائهم لعملهم خلال بداية انتدابهم، وفي منتصفه، وبعد نهاية المهمة الانتخابية أو الإدارية.
ولتجنب حالة الارتخاء تجاه تطبيق قانون «من أين لك هذا؟»، فقد وضع جطو رهن إشارة المكلفين بالتصريح بممتلكاتهم تطبيقا معلوماتيا بالبوابة الإلكترونية للمجلس الأعلى، والذي يمكن الملزمين من حجز موعد لدى المجلس أو المجالس الجهوية للحسابات، حسب الاختصاص، لإيداع التصريح الإجباري بممتلكاتهم، حسب الكيفيات والشروط المفصلة بالبوابة.
بدون شك فإنه خلال كل مرحلة لوضع التصريح بالممتلكات لأكثر من 30 ألف معني من وزراء وبرلمانيين وقضاة وكتاب عامين ومدراء مركزيين ومفتشين عامين ورؤساء الجهات والمدن والجماعات، تظهر أسئلة كثيرة حول مدى جدية هذا الإجراء في مقاومة تنين الفساد ونشر ثقافة الشفافية والنزاهة، ومدى صدقية أصحابها في مصارحة المجلس الأعلى للحسابات في ما يقدمونه لأعلى سلطة لمراقبة المال العام، كما تبعث هاته المناسبة شكوكا حول مدى سلطة القانون نفسه في أن يفرض التصريح بالممتلكات، كعقد أخلاقي بين المسؤولين المنتخبين أو المعينين، قبل أن يكون إلزاميا يفرضه القانون.
ومع مرور 8 سنوات على دخوله حيز التنفيذ مع حكومة عباس الفاسي، تحول التصريح بالممتلكات إلى مجرد إجراء شكلي روتيني، لا يرقى إلى المقاصد التي وضع من أجلها، وقد سبق لإدريس جطو نفسه خلال إحدى الجلسات البرلمانية أن اشتكى من ظروف تطبيق هذا الإجراء، الذي حول المجلس الأعلى للحسابات إلى مستودع كبير لوضع عشرات الآلاف من التصريحات، التي لم تفتح ولم يتم دراستها بسبب كثرة المكلفين وضعف الموارد البشرية للمجلس، مما أفقد هاته التصريحات معناها والجدوى منها.
وبينما كان ينبغي لقانون التصريح بالممتلكات أن ينتعش كثيرا مع دستور 2011، مع ما تضمنه من دعائم لمواجهة الفساد وتوسيع رقعة الشفافية، إلا أن العكس هو الذي حصل تماما، فالواقع أن هذا الإجراء المهم يتعرض لموت بطيء في ظل استهتار المعنيين وتساهل أجهزة الرقابة في تطبيق القانون بحذافيره دون تردد، فلم نسمع عزل وزير أو برلماني أو رئيس جماعة أو مدير بسبب تأخره في التصريح بممتلكاته، ولم نسمع إلى حدود كتابة هاته السطور أن المجلس الأعلى للحسابات توصل خلال دراسته لأحد عشرات آلاف التصاريح أن تصريح ممتلكات أحد المكلفين لا يتطابق مع الواقع والمنطق.
إن استمرار التعامل بطرق تقليدية لا تمكن من مراقبة حقيقية، سيجعل من التصريح بممتلكات المسؤولين مجرد إجراء لتبرير الكسب غير المشروع، فالعبرة ليس بتوسيع وعاء المعنيين إلى عشرات الآلاف، بل الجدوى المنتظرة من ذلك والتي لم تحقق لحد الآن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى