
حسن البصري
نحمد الله على نعمة الأضواء الكاشفة التي تضيء ملاعبنا، وتتيح برمجة مباريات البطولة الاحترافية الأولى ليلا بعد صلاة التراويح، وتجنب الجماهير واللاعبين والمدربين والحكام هول «الترمضينة»، ومضاعفاتها التي تتجاوز المثول أمام لجنة تأديبية إلى المثول أمام طبيب ضغط الدم.
كانت «الترمضينة» تنتاب المدرب الأرجنتيني أوسكار فيلوني في رمضان وشعبان، وتكلفه إنذارات بكل الألوان، وحين كان يغادر الملعب تستعيد عقارب دماغه إيقاعها.
في المباريات الرمضانية كان أوسكار يسدد القنينات البلاستيكية التي تصادف طريقه، ويتمتم بكلمات لا يفهمها إلا هو وحده، يتخلص من ضمادة تلف معصم يده، والويل لمن يدعوه إلى «لعن الشيطان».
في اليوم الثاني من شهر رمضان سنة 2005، رافقت بعثة المنتخب المغربي إلى تونس، من أجل تغطية مباراة حاسمة مؤهلة لمونديال ألمانيا 2006.
على امتداد المسافة الفاصلة بين الدار البيضاء والعاصمة التونسية، كان حديث أفراد البعثة يدور في فلك غياب عميد المنتخب الوطني نور الدين النيبت وتخلف المدرب المساعد عبد الغني الناصري عن الرحلة.
أفراد الطاقم التقني كانوا يتحدثون في الموضوع بهمس، بلمس، بآهات، بينما انخرط اللاعبون في سجال فقهي حول أحكام السفر في رمضان واللعب في شهر الصيام..
تقمص أحد اللاعبين دور المفتي وشاركه في إفتائه «ستيوارت» مسلح بكثير من الأحاديث والأدعية، بينما دافع لاعب مشاكس عن صيام المسافرين وشبه اللاعب بالمقاتل في معارك الشرف.
ما أن أقلعت الطائرة، حتى تحول مفتي المنتخب إلى خطيب يشرع النوازل، قبل أن يسحب من حقيبته كتاب «تيسير فقه الصيام» ليوسف القرضاوي، ويشرع في شرح ما لم يشرحه القرضاوي.
دار جدل في جوف الطائرة حول الموضوع فتدخل «الستيوارت» من جديد لضبط إيقاع النقاش، وقال إن مسافة السفر ووسيلته ومناخه، عوامل تمنح الترخيص بالإفطار أو تمنع.
أسر لي أحد اللاعبين بإفطاره قبل مغادرة غرفته بالفندق والتوجه إلى المطار، استعدادا لتفعيل خاصية رخصة الإفطار أثناء السفر.
قلت له مازحا: لحسن حظك أن الطائرة أقلعت في موعدها، لو تأخرت الرحلة إلى ما بعد أذان صلاة المغرب لكنت من المفطرين، فجازت فيك الكفارة.
تحول النقاش في جوف الطائرة من رخصة ملء البطون إلى الاختلاف بين وقت الإفطار في السماء عنه على الأرض، وتبين أن للمنتخب أهل فتوى وأهل كرة.
تابع الشماخ والركراكي وحجي وباها وغيرهم من اللاعبين الذين نشأوا وترعرعوا في أوربا هذا النقاش، كما يتابع الأطرش أطوار الزفة، وعبروا عن امتثالهم لتعليمات الطاقم الطبي للمنتخب.
في ليلة المباراة تجدد الحديث عن صيام اللاعب المسافر، لكن إجراء المباراة بعد صلاة التراويح أنهى جدل الصيام والإفطار.
نظرا لأهمية المباراة تناولت طعام الفطور في جنبات ملعب رادس، تحول محيطه إلى ما يشبه ساحة جامع لفنا، حين امتزج دخان الوجبات بأنغام بروفات مشجعي المنتخبين المغربي والتونسي.
قال لي زميل مصور تونسي إن لاعبي منتخب بلاده لم يصوموا منذ دخول شهر رمضان، وأن طبيب فريقهم الوطني أفتى بتناول الوجبات في وقتها حتى لا يختل التوازن الغذائي للاعبين.
يا إلهي ألهذا الحد يبحث التوانسة عن فتوى طبية لتبرير الإفطار سواء أجريت المباراة ليلا أو نهارا؟
انتشلني زميلي من دوامة الدهشة، وأضاف:
«منتخبنا يضم لاعبين مجنسين غير مسلمين وطاقما تقنيا أجنبيا، والصيام منذ زمن بورقيبة اختياري».
انتهت المباراة بالتعادل: هدفان في كل مرمى، لكن هذه النتيجة لم تكن تكفي لنيل تأشيرة العبور لمونديال ألمانيا.
ألغيت وجبة السحور وفي رحلة العودة عشنا شوطا إضافيا من ترمضينة لاعب كان في رحلة الذهاب واعظا وبعد الإقصاء نسي كتاب القرضاوي في المطار.





