
بعد النجاح الذي حققته الدولة في تدبير أزمة الفيضانات، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، وما أعقب ذلك من تعليمات ملكية سامية تقضي بتعويض المتضررين والتخفيف من معاناة الفئات الهشة والفقيرة، برزت إلى السطح مؤشرات مقلقة لما يمكن وصفه بـ«الركوب الانتخابوي» لملفات العزلة بالمناطق القروية، والمزايدات السياسية حول تحديد المناطق المنكوبة وأولويات التدخل.
لقد أظهرت المرحلة الأولى من الأزمة، المتعلقة بإنقاذ الأرواح، وإيواء المتضررين، وفك العزلة، تعبئة شاملة لمختلف مؤسسات الدولة، من سلطات محلية وقوات مسلحة ولجان يقظة، في انسجام واضح مع التوجيهات الملكية. غير أن الانتقال إلى مرحلة تقييم الخسائر والتعويض وإعادة الإعمار، فتح الباب أمام بعض الفاعلين السياسيين لمحاولة استثمار الظرفية في سياق الاستعدادات المبكرة للاستحقاقات التشريعية المرتقبة سنة 2026.
وطبعا فإنه لا أحد يمكنه إنكار أو القفز على أن ما تعانيه المناطق القروية، سواء في شمال وغرب المملكة أو في مناطق أخرى، ليس وليد الفيضانات الأخيرة، خاصة ضعف البنيات التحتية، وغياب الصيانة الدورية للشبكة الطرقية، وإنما الأمر يعود إلى اختلالات تراكمت عبر سنوات من فشل تدبير المجالس وتخبط الأغلبيات الهجينة في صراعات المكاسب والمناصب، حيث من الطبيعي الآن أن تتصاعد الاحتجاجات على تأخر فك العزلة، أو بطء إصلاح الطرق المتضررة، بفعل الانهيارات الصخرية وانزلاقات التربة، وتبعات فوضى التعمير.
يجب الانتباه إلى مكر الثعالب الانتخابية، والفارق الكبير بين الاحتجاج المشروع الذي يطالب بالتنمية والإنصاف المجالي، وبين التوظيف السياسي الظرفي الذي يسعى إلى تسجيل نقاط انتخابية، خاصة عندما يصدر عن منتخبين ظلوا في مواقع المسؤولية طيلة سنوات، دون أن يحققوا تقدما ملموسا في ملفات التهيئة والتجهيز. فالمصداقية السياسية تقتضي تحمل المسؤولية، قبل توزيع الاتهامات، أو الظهور بمظهر «المناضل»، من أجل قضايا كان بالإمكان معالجتها، خلال فترات التسيير السابقة.
إن لجان تقييم الخسائر وتوزيع التعويضات تتحمل مسؤولية دقيقة وحساسة، قوامها الإنصاف والشفافية وترتيب الأولويات، وفق معايير موضوعية، سيما أن فك العزلة ليس مطلبا ظرفيا، بل ضرورة حتمية لضمان السير والجولان، واستئناف النقل المدرسي، وتحرك وسائل النقل العمومي والخاص، وتأمين الولوج إلى الخدمات الصحية والإدارية.
وفي السياق ذاته، فإن تحديد المناطق الأكثر تضررا يجب أن يتم بناء على تقارير تقنية دقيقة، لا وفق ضغوط المنصات الاجتماعية، أو المزايدات الانتخابوية والبلاغات الحزبية وبيانات الجمعيات التابعة لوجوه سياسية، لأن أي انحراف في هذا المسار قد يهدد الثقة في عملية التعويض برمتها، ويخلق شعورا بالغبن بين المواطنين وغياب تكافؤ الفرص.
لقد كشفت الفيضانات عن هشاشة واسعة في عدد من المناطق القروية، وهو ما يفرض مراجعة عميقة لآليات التخطيط الترابي، وتقوية قدرات المجالس المنتخبة، حتى تكون قادرة على التنسيق الفعال مع مختلف القطاعات الوزارية، وجلب الاستثمارات، وتسريع إنجاز المشاريع المهيكلة.
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط إصلاح طريق، أو إعادة بناء قنطرة، بل بناء نموذج تنموي محلي قائم على الجدية والاستباقية، وتحسين جودة التعمير، وضمان شروط السكن اللائق، وصيانة كرامة المواطن، وذلك كله انسجاما مع التوجيهات الملكية السامية التي تجعل مصلحة المواطن في صلب السياسات العمومية.





