حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

تصاريف الهجرة

​يسرا طارق

​يأتي المهاجرون في كل صيف، كثر منهم، ولأسباب متعددة، يفكرون في عدم المجيء إلى الريف. فهناك مسؤوليات وحاجات مستجدة في حياتهم تفرض عليهم التفكير ألف مرة في ما سيصرفونه هناك.. لكن وما إن تبدأ حمى الرحيل في تملك المهاجرين، وما إن يروا السيارات تفحص تقنياً للتأكد من قدرتها على القيام بالرحلة الطويلة، وما إن ترى المتاجر مليئة بمن يشتري هدايا العودة، وما إن يصير الكلام في المقاهي متمحوراً فقط عن السفر، والأهل، والشوق، والحنين والذكريات، ومواعد الخروج، حتى يحزم المتردد أمره ويسابق الآخرين في تحضير نفسه للسفر الطويل. ومثلما يلمع نداء ما داخل الطيور المهاجرة يقول لها: «هيا إنه وقت الرحيل»، يلمع نداء الريف داخل كل مهاجر.

​هناك سيعاود سيرته الأولى في أكل حبات الصبار الهندي والتين المجفف، وأكل السردين المشوي وغيره من أنواع السمك، والعوم في أماكن مثقلة بالذكرى. هناك لن يكون عاملاً برقم تسلسلي وواجبات، بل سيكون اسماً وسلالة وقبيلة وذاكرة أمجاد. هناك سيضحك حتى القهقهة، وسيخرج كل الكلام والسُّباب الذي احتبس في جوفه سنة كاملة. هناك سيحتك ويعانق ويدفع ويلوح بيده للآخرين، عوض الشلل والبرودة التي تفرض عليه أن يكون حذراً وأن يحتفظ بمسافة إزاء الآخرين. هناك سيتمرغ في الرمال والشمس، ويأكل بيديه ويتجشأ بحسب هواه، وسيجعل عظامه تتحرر من كل البرودة والكآبة والتوتر التي سكنت جسده سنة كاملة. هناك سيكون هو وسط أهله، عوض أن يكون مهمة وصفة في أوراق ببلد أجنبي.

​كان جار لنا هاجر هو أيضاً إلى هولندا، وترك أبناءه وأمهم بأزغنغان، يكرر دوماً لكل من يلقاه: «نمرض سنة كاملة ونشفى شهرا، الهجرة مرض، بل هي أخبث مرض، لأنها تفصلك عن عالمك الأليف وتجعلك تطلب اللقمة من يد الغريب».

​لا أحد ذهب من الجيل الأول للهجرة وهو مُوطِّن نفسه على ألا يعود للريف، وأن يضع أسس إقامة دائمة في بلد الإقامة، كلهم فكروا في أنها هجرة مؤقتة، سيسوون فيها وضعيتهم المادية والإدارية والأسرية، وسيؤمنون حياتهم من الناحية المادية، وسيمولون مشاريع بالريف تضمن لهم حياة لائقة وسيعودون. كلهم فكروا في العودة وخططوا لها، سيهبون بلد الإقامة زهرة عمرهم، سيعطونه قوتهم العضلية والذهنية، سيساهمون في أوراشه ومنشآته، لكنهم لا يتصورون مكاناً ترتاح فيه عظامهم حين يتعبون إلا الريف، ولا يتصورون تراباً يلف أجسادهم حين يموتون سوى تراب الريف.

​لهذا فكروا، كلهم، في بناء منزل كبير بالريف، منزل بطابقين أو ثلاثة أو أربعة، منزل بـ«كاراج» كبير وبحجرات كثيرة، قادرة على احتضان عائلة ستتمدد من الأبناء إلى الأحفاد… (يتبع).

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى