الرأيزاوية القراء

تكامل الأدوار بين تركيا وروسيا

جلبير الأشقر
إن الاعتقاد الساذج بأن محرك إيران الرئيسي هو مواجهة الإمبريالية الأمريكية وربيبتها الصهيونية والدفاع عن «مصلحة الشيعة»، وليس المطامع التوسعية للإمبراطورية الإيرانية، يجد رديفا له في الاعتقاد الساذج بأن محرك تركيا الرئيسي هو الدفاع عن «مصلحة السنة» في وجه الإمبريالية الروسية وصديقتها الصهيونية، وليس المطامع التوسعية للإمبراطورية التركية.
لقد ظهرت العصبية القومية الفارسية إلى العلن في إطار الإيديولوجيا الخمينية، منذ مرحلة الحرب بين إيران والعراق في أوائل الثمانينيات. وهي تنجلي بين حين وآخر، منذ ذلك الحين. آخر هذه المناسبات، بل أهمها بعد الحرب المذكورة، كانت حملة تسعير العصبية الفارسية التي نظمتها طهران إثر الاغتيال الأمريكي لقاسم سليماني.
أما العصبية القومية التركية، فباتت كاملة الجلاء منذ انعطاف رجب طيب أردوغان في عام 2015 وعقده تحالفا مع «حزب الحركة القومية» التركي الذي أسسه قبل نصف قرن ضابط سابق أخذ على «حزب الشعب الجمهوري» ابتعاده عن نهج مصطفى كمال القومي. مذّاك، غدا أردوغان يعمل يدا بيد مع خصمه السابق، يجمعهما التعصب القومي التركي والمطامع التوسعية الإمبراطورية التي لا تنفصل عنه. أما آخر محطات التعاون بين حزب أردوغان، «حزب العدالة والتنمية»، و«حزب الحركة القومية»، فهي تمريرهما في البرلمان قبل أسبوعين للقرار المتعلق بإرسال قوات تركية إلى ليبيا دعما لـ«حكومة الوفاق الوطني» التي يترأسها فايز السراج. والحقيقة أن خطر التورط الحربي محدود، نظرا للسياق الذي جاء فيه القرار وقد تلته بأيام قليلة زيارة فلاديمير بوتين إلى إسطنبول، وتدشينه برفقة أردوغان لخط أنابيب يمتد من حقول الغاز الروسية عبر البحر الأسود إلى القسم الأوربي من الأراضي التركية. وهو خط أنابيب مزدوج، سوف يساهم في تزويد تركيا بالغاز من روسيا، أهم مصادرها الغازية، ويساهم كذلك بتزويد أوروبا وسيما ألمانيا، بما يسمح لموسكو تنويع خطوط إمدادها لهذه الأخيرة والتخلص من الارتهان بمرور غازها عبر الأراضي الأوكرانية.
وعندما نأخذ بعين الاعتبار أن تركيا أبرمت مع حكومة السراج قبل شهرين اتفاقا ينص على ترسيم حدود البلدين البحرية، وهو اتفاق يتعلق بالدرجة الأولى بحقل الغاز في شرقي البحر المتوسط الذي يدور حوله صراع بين تركيا واليونان، صراع تنجم أهم عقده عن رفض الاعتراف الأوروبي والدولي بـ«جمهورية شمال قبرص التركية»، ذلك الجزء من الأراضي القبرصية الذي استولت عليه الدولة التركية عسكريا في عام 1974 ومارست فيه استعمارا استيطانيا، عندما نأخذ كل ما سبق بعين الاعتبار يتبين لنا أن التدخل التركي في ليبيا ليست غايته الدفاع عن «الشرعية الدولية» أو عن «جماعة الإخوان المسلمين» في وجه خليفة حفتر المدعوم من مصر والإمارات المتحدة وروسيا، بل يندرج في إطار سياسة الدولة التركية التوسعية.
فمثلما بات الاتفاق بين موسكو وأنقرة يتغلب بوضوح على التخاصم بينهما في سوريا، يتضح أن تدخل تركيا في الساحة الليبية، في الخندق المواجه لذلك الذي تدعمه روسيا إنما يقوم على تناغم بين الدولتين تبغي كل منهما من ورائه ضمان مصلحتها. وقد استفاد بوتين من الإعلان التركي كي يمارس لعبته المفضلة، ألا وهي لعبة التظاهر بالقيام بدور الحكَم مع الإمساك بأهم أوراق اللعبة، على غرار الدور الخبيث الذي بات يلعبه في سوريا. فانتهز فرصة ما أقدم عليه أردوغان، واستقبل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في موسكو ليدعو معها إلى مؤتمر حول ليبيا يُعقد في برلين، تبغي روسيا من ورائه احتلال موقع «الحكَم» الحاسم مرة أخرى بما يعزز نفوذها في شرق المتوسط، بما فيه حقله الغازي الذي تتطلع موسكو إلى المشاركة في استغلاله من خلال الحصة السورية التي تهيمن عليها، ناهيكم من الثروة النفطية والغازية الليبية التي تأمل طبعا بالمساهمة في استغلالها هي أيضا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى