الرئيسيةالملف التاريخيتاريخ

توقعات البيت الأبيض الخاطئة بشأن مستقبل المغرب

كُتبت في مقر السفارة أسبوعا بعد انقلاب غشت 1972

“بدأ التقرير بهذه العبارة: “مستقبل قاس لمغرب الملك الحسن: في هذا الوقت، يبدو أن المغرب سيصبح مضطربا مع توالي تدهور وضعه مقارنة مع جيرانه. ويبدو أيضا أن ولاء الجيش الملكي ينخفض تدريجيا”.
هاتان الخلاصتان اللتان تستشرفان مستقبل المغرب وقتها، ظهر أنهما غير صحيحتين ولم تُبنيا على حقائق علمية.
التقرير الأمريكي توقع أن يعمل الملك الحسن الثاني على معرفة المؤامرات قبل وقوعها ويحاول شراء ولاء المتورطين فيها، وهذا توقع خاطئ ولم يتحقق. بل على العكس تماما، مباشرة بعد وفاة الجنرال أوفقير في ليلة فشل انقلاب الطائرة الملكية، تم طي صفحة الانقلابات تماما، واتضح بعد التحقيقات مع المتورطين أنه كان المسؤول الوحيد عن تدبير الانقلاب الثاني بعد أن كان موافقا على الانقلاب الأول وبقي بعيدا عن الأضواء حتى لا يُكشف”

عشر صفحات عمرها 48 سنة لقراءة فنجان مملكة الحسن الثاني
في نفس الوقت الذي كان فيه نائب الرئيس الأمريكي، يحل في الرباط أواخر غشت 1972، كانت السفارة الأمريكية في الرباط تعد تقريرا من عشر صفحات وضعت له عنوانا بارزا: “مستقبل قاس لمغرب الملك الحسن”.
وضعت فيه مجموعة من التوقعات، بنتها على معلومات استخباراتية، لكنها في الحقيقة لم تكن صحيحة، أو جلها على الأقل.
بعض فقرات التقرير كانت تجميعا للأحداث التي عرفها المغرب بين الانقلابين العسكريين الأول والثاني، أي انقلاب الصخيرات في يوليوز 1971، ثم محاولة إسقاط الطائرة الملكية في غشت 1972. بينما فقرات أخرى كانت عبارة عن توقعات عن قرب نهاية تجربة الملك الحسن الثاني رغم أن التقرير في بعض الفقرات أثنى على شخصية الملك الراحل واعتبره شخصا متميزا عن بقية أفراد العائلات المالكة في الدول التي تتقاسم مع المغرب انتماءه الديني والجغرافي أيضا.
كانت توقعات التقرير السري الذي أعدته السفارة تتمحور حول الأشهر الخمسة المتبقية من السنة، ثم في فقرات أخرى استشراف للسنوات القليلة المقبلة من مملكة الحسن الثاني.
كل تلك التوقعات كانت خاطئة، وبعضها بني على معلومات مغلوطة وملغومة أحيانا.
إذ تم استعمال مؤشر المحاكمات التي عرفتها المعارضة المغربية في نفس فترة الانقلابين العسكريين على الملك الحسن الثاني، للقول إن السياسيين سوف يضغطون لإنهاء حكم الملك الراحل الحسن الثاني مبكرا.
ما وقع، كما ظهر خلال السنوات التالية، أن المعارضة المغربية في الخارج حاولت فعلا استهداف النظام لكن ليس نهائيا بتحالف مع القوات العسكرية. بل ما وقع أن متسللين دخلوا إلى المغرب سرا وكانت الأجهزة السرية المغربية تعرف تحركاتهم أولا بأول حتى قبل الدخول من الحدود الشرقية للمغرب مع الجزائر.
وهذا المعطى أكده مشاركون مغاربة في تلك الأحداث، أي في مارس 1973، حيث لم يكن نهائيا أي تنسيق بينهم وبين مسؤولين في الداخل.
التقرير الأمريكي توقع أيضا أن يعاني الملك الحسن الثاني من عدد من المشاكل مع المسؤولين السياسيين. والحال أن الملك الحسن الثاني عزز حضوره كثيرا بعد المحاولتين، وكانت الحياة السياسية مستقرة بعد حالة الاستثناء. حتى أن تجربة التناوب التوافقي لم تتحقق إلا في سنة 1998، وبدعوة من الملك الحسن الثاني الذي أعطى لعبد الرحمان اليوسفي كل الضمانات الضرورية لخوض تلك التجربة التي كانت آخر محطة سياسية في حياة الملك الحسن الثاني، إذ توفي بعدها بسنة.
كان توقع الأمريكيين في غير محله، خصوصا أن فترة منتصف السبعينيات عرفت حدث المسيرة الخضراء، وهو ما عزز شعبية الملك الراحل في الداخل والخارج، بل إن المعارضة المغربية ممثلة في حزب عبد الرحيم بوعبيد في الداخل، وفريق محمد الفقيه البصري في الخارج، لم تملك إلا أن تبدي إعجابها بمبادرة الملك الحسن الثاني لإنهاء وجود الإسبان في الصحراء المغربية.
ومع اقتراب نهاية السبعينيات، كان إدريس البصري يتقوى في وزارة الداخلية لكي يسيطر على الحياة السياسية. والرجل عرف بدون منازع بأنه أوفى وزراء الملك الراحل وأقربهم إليه، وهو ما يعني أن التقرير الأمريكي كان غير صحيح بشأن مستقبل علاقة الملك الحسن الثاني بوزرائه. إذ أن ما وقع هو عكس التوقعات الأمريكية تماما.

أسرار من القواعد العسكرية الأمريكية في المغرب
كانت القواعد العسكرية الأمريكية في المغرب، منذ سنة 1956 مشكلا ودت المعارضة المغربية طرحه على الطاولة. بينما كان الملك الراحل محمد الخامس، أول من وضع الأمر للنقاش مع الأمريكيين. إذ بعد حصول المغرب على الاستقلال وتفويت كل القواعد الفرنسية لصالح المغرب بمنشآتها ومرافقها، أصبح موضوع مستقبل القواعد الأمريكية، التي كانت عبارة عن موقعين، الأول للطيران والثاني لاستقرار القوات العسكرية على الأرض، مطروحا وبقوة.
في التقرير السري الأمريكي الذي كتب بالضبط يوم 25 غشت 1972، أي بعد أسبوع فقط على انقلاب الجنرال أوفقير الذي استهدف طائرة الملك الحسن الثاني، كانت هناك نقطة تتعلق بولاء الجيش مستقبلا للملك الراحل. ولا أحد يعلم من أين استمد التقرير معطى غير واقعي بالمرة يتعلق بوجود تمرد قديم داخل مؤسسة الجيش. والحال أن جيلا كاملا من الجنرالات كانوا من أشد الأوفياء للمؤسسة الملكية، ووحدها التهديدات التي عرفها الملك الحسن الثاني منذ وصوله إلى السلطة هي التي غذت أول الانشقاقات التي كانت فردية أو ثنائية في أفضل الحالات.
التقرير أقر بأن تلك المحاولات كانت محدودة وأن الداعمين لها على قلتهم لم يكونوا على علم بها قبلا ولم يخططوا لها مسبقا، إلا أنه، أي التقرير، أكد أن محاولات أخرى قادمة في الطريق وأن انشقاقات كبرى في الجيش سوف تهدد وجود الملك الحسن الثاني.
والواقع أن الملك الراحل كان يضع مسألة القواعد الأمريكية على الطاولة منذ أيام الرئيس كينيدي الذي كان صديقا وفيا للمغرب.
حسم موضوع القاعدة المجاورة لطريق مكناس، والتي كانت تخزن فيها مؤن الجيش الأمريكي، وبقيت قاعدة القنيطرة في جزء منها خاصة بالجيش الأمريكي، بينما الجزء الأكبر منها تم منحه للمغرب لكي يكون مخصصا للطيران العسكري.
والملك الحسن الثاني شك في إمكانية معرفة الأمريكيين بالانقلاب قبل وقوعه بحكم أنهم كانوا يديرون القاعدة. لكن الواقع، وما أثبته التحريات والوقائع، أن الأمريكيين لم يكونوا يعلمون نهائيا بموعد الانقلاب ولا عدد الطائرات. وفي التوقعات التي وضعها التقرير السري الذي صدر يوم 25 غشت جاء بالواضح أن الأمريكيين كانوا يضعون توقعات فقط، وأنهم فوجئوا أيضا بكون الجنرال أوفقير وراء العملية. وفي المحاكمة التي تلت الانقلاب أكد الطيارون المغاربة أن تعليمات الإقلاع ليست جديدة وإنما تتعلق بإجراء روتيني شبه يومي داخل القاعدة الجوية، وأن دخول الطائرة الملكية إلى الأجواء المغربية يقتضي دائما تحليق سرب مقاتل لتحية الملك فور دخوله أجواء البلاد.
أي أن إقلاع الطائرات يوم الانقلاب لم يكن أبدا مسألة غير عادية، بالتالي فإن الأمريكيين بنوا تقريرهم على التوقعات المستقبلية ولم تكن لديهم أية معلومات استباقية عما وقع. وإلا لكان التقرير مقوى بالوقائع.

في نفس الوقت الذي كان فيه نائب الرئيس يحل في الرباط، كانت السفارة الأمريكية عندنا تعد تقريرا من عشر صفحات وضعت له عنوانا بارزا: «مستقبل قاس لمغرب الملك الحسن».
وضعت فيه مجموعة من التوقعات، بنتها على معلومات استخباراتية.

الأمريكيون توقعوا أن ينفلت إخلاص الجيش من يد الملك نهائيا
في الوقت الذي كانت فيه طائرة البيت الأبيض تتوجه نحو مدرج الهبوط، كان «سبيرو أكنو»، نائب الرئيس الأمريكي يلملم كلماته لكي يخاطب الملك الراحل الحسن الثاني بكلمات تليق بحجم الحدث الكبير الذي جعله يتوجه رأسا إلى الرباط للقاء الملك.
كان الأمريكيون يتوفرون على معلومات مؤكدة تقول إن الملك الحسن الثاني شك في أن الأمريكيين كانوا على علم بشأن الانقلاب. ومما قوى شكوك الملك الراحل أن الأمريكيين كانوا لا يزالون يستغلون جزءا مهما من القاعدة الجوية في القنيطرة.
محيطو الملك الراحل وشوشوا له قائلين إن الأمريكيين كانوا يعرفون كل شيء في القاعدة، حتى لو تعلق الأمر بذبابة تحاول الطيران، فما بالك بطائرات نفاثة.
لكن هذه الشكوك لا يمكن دعمها بدليل، خصوصا أن التقارير السرية الأمريكية التي رفعت عنها السرية لا توفر أي دليل من شأنه تقوية فرضية العلم المسبق للأمريكيين بالانقلاب.
لقد كان الأمر سرا محصورا بين عدد محدود جدا من الأفراد.
وحتى قدماء القاعدة الجوية في القنيطرة استبعدوا هذا الأمر. وأولهم الطيار صالح حشاد، الذي كان قائد سرب وأوكلت إليه مسؤوليات مهمة جدا في القاعدة خلال فترة الستينيات وبداية السبعينيات. هذا الرجل يقول إن الأمريكيين لم يكونوا على علم بالتفاصيل، وأنهم كانوا يتحكمون في الجزء الخاص بهم فقط من القاعدة مؤكدا ألا علاقة لهم نهائيا بأي تفاصيل إدارية أو تقنية بخصوص جداول الطيران الخاصة بالقوات المغربية.
هذا الأمر يضعف نظرية معرفة الأمريكيين المسبقة بشأن الانقلاب. وما يؤكد أيضا أن واشنطن لم تكن تعرف بأمر الانقلاب الثاني ضد الملك الحسن الثاني، الموقف الأمريكي الداعم للملك الراحل والتقارير السريعة التي تم إعدادها لوضع تصور عام لمغرب ما بعد «الانقلابين».
هذه المعلومة، أي غضبة الملك الحسن الثاني وشكوكه بشأن الأمريكيين، نقلت فورا إلى نائب الرئيس الأمريكي ريشارد نيكسون لكي يحاول تبديد شكوك الملك الحسن الثاني وطمأنته إلى أن الولايات المتحدة سوف تبقى دائما حليفا مهما للمغرب. ولهذا السبب أرسل نائبه «سبيرو أكنو» الذي حل فعلا بالمغرب، وكانت قصة استقبال الملك الراحل له، أسبوعين فقط بعد محاولة إسقاط الطائرة الملكية، تستحق فعلا أن تُروى..
الحقيقة أن المحاولتين الانقلابيتين معا، كانتا مجرد اجتهادات داخل مؤسسة الجيش، والمعلومات الوحيدة التي توفر عليها الأمريكيون قبل الانقلابين، وجود اعتراضات كبيرة على محيط الملك وتذمرهم من بعض الشخصيات في السلطة التي لا حقتها تهم الفساد.
التقرير الذي وضعه الأمريكيون في عشر صفحات محاولين رسم مستقبل المغرب، تنبئ بإمكانية حدوث انقلاب ثالث ضد الملك الحسن الثاني!
بدأ التقرير بهذه العبارة: «مستقبل قاس لمغرب الملك الحسن: في هذا الوقت، يبدو أن المغرب سيصبح مضطربا مع توالي تدهور وضعه مقارنة مع جيرانه. ويبدو أيضا أن ولاء الجيش الملكي ينخفض تدريجيا».
هاتان الخلاصتان اللتان تستشرفان مستقبل المغرب وقتها، ظهر أنها غير صحيحة ولم تبن على حقائق علمية. أولا جيراننا في الجزائر، كانوا أيضا على شفير أزمات حادة بسبب الخلافات حول السلطة التي كان يمسك بها الهواري بومدين بيد من حديد بعد أن سجن ثم طرد الرئيس الفعلي المنتخب للبلاد بعد حصولها على الاستقلال. ولم يكن يفصل وقتها سوى سنوات قليلة عن أزمة أخرى في الجزائر حيث هرب الموالون لبومدين إلى الخارج. أما مسألة ولاء الجيش فقد ظهر أنها لم تكن بالحجم الذي صوره التقرير، وأن المنشقين من داخل الجيش الملكي كانوا يُحسبون على رؤوس الأصابع. تمت تبرئة تلاميذ الجنود المشاركين في الانقلاب الأول سنة 1971، ثم تسريحهم من الجيش، كما مُحي أثر الانقلابيين الكبار الذين سقطوا برصاص رفاقهم في الجيش الذين كانوا موالين للملك الحسن الثاني ورفضوا قطعا الانقلاب على الملكية. وبعد محاولة إسقاط الطائرة الملكية، قطع تماما فتيل الانقلابات داخل مؤسسة الجيش. وهو ما يعني أن ذلك التصور الأمريكي لم يكن صحيحا.

«ربما» يضطر الملك الحسن الثاني لشراء ولاء منشقين في المستقبل
هذا التوقع أيضا لم يكن صحيحا. والدليل أن الملك الحسن الثاني مباشرة بعد انقلاب الصخيرات سنة 1971، كان فعلا يحاكم جملة من الوزراء الذين ظهر تورطهم في أعمال فساد اشتكت منها شركات ورجال أعمال بعضهم أمريكيون.
بالإضافة إلى أن الملك الراحل منذ بداية السبعينيات حاول طي بعض الملفات التي توبع فيها زعماء المعارضة واليساريون.
فريق المنشقين كان صغيرا ولم ينجح قادته في كسب ثقة بقية قادة الجيش المغربي سواء على الأرض أو في الجو.
التقرير الأمريكي توقع أن يعمل الملك الحسن الثاني على معرفة المؤامرات قبل وقوعها ويحاول شراء ولاء المتورطين فيها، وهذا توقع خاطئ ولم يتحقق. بل على العكس تماما، مباشرة بعد وفاة الجنرال أوفقير في ليلة فشل انقلاب الطائرة الملكية، تم طي صفحة الانقلابات تماما، واتضح بعد التحقيقات مع المتورطين أنه كان المسؤول الوحيد عن تدبير الانقلاب الثاني بعد أن كان موافقا على الانقلاب الأول وبقي بعيدا عن الأضواء حتى لا يُكشف.
الحقيقة الموجعة الوحيدة، والتي لم يذكرها التقرير، أن الملك الحسن الثاني في الانقلابين معا، خسر أفضل المخلصين للمؤسسة الملكية في المغرب. جنرالات وضباط كبار على قدر كبير من الولاء لشخص الملك الحسن الثاني، مثل الجنرال الغرباوي وأمهروق ثم الكولونيل «وايا»، بالإضافة إلى كولونيلات أمثال «بوالحيمص» والجنرال البوهالي. وهؤلاء كانوا من الجيل الأول للمسؤولين العسكريين الذين أخلصوا للملك محمد الخامس وعاشوا انتقال العرش إلى الملك الحسن الثاني وظلوا موالين له إلى آخر يوم في حياتهم.
بعد استهداف الطائرة الملكية، جاء جيل جديد من الموالين للملك الحسن الثاني والمخلصين له، يمكن أن نقول إنهم تلامذة الجنرالات والضباط الكبار الذين سقطوا برصاص الانقلابين في المناسبتين معا.
وبالتالي فإن التنبؤ الأمريكي باضطرار الملك الحسن الثاني إلى شراء ولاء المنشقين المستقبليين المحتملين قبل انشقاقهم كان خاطئا تماما.
توقع آخر كان غير دقيق. جاء في التقرير أن «الملك الحسن الثاني سوف يقضي فترة غير قصيرة لكي يحاول تذكير الجميع بأنه القائد الفعلي للبلاد». والحقيقة أن فترة غضب الملك الحسن الثاني لم تطل. واستمرت أسابيع فقط، مر بعدها مباشرة إلى تعيين حكومة جديدة ووعد بإخراج دستور جديد للبلاد وقام بحملة تعيينات جديدة للسفراء، كما سن إصلاحات عسكرية جديدة شملت تعيينات ومراجعات لعدد من القرارات العالقة أبان خلالها الملك الحسن الثاني عن مرونة كبيرة، بدل إنزال العقوبات.
أما سياسيا، فقد كان طي صفحة محاكمة مراكش الشهيرة التي حوكم فيها قادة المعارضة وأطر حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ومعهم قدماء المقاومة، دليلا على تلك المرونة السياسية التي أبان عنها الملك الراحل، بشكل مناقض تماما لهذا التوقع الأمريكي.

المعجبون العسكريون بالجنرال أوفقير قد يزداد عددهم
هذا التقرير السري، تحدث عن إيجابيات الملك الحسن الثاني. جاء فيه أن الملك تعلم من الانقلاب الأول كيف يستعيد زمام الأمور، وتوقع أن تزداد خبرة الملك مع الانقلابات.
تحدث التقرير أيضا عن الجنرال أوفقير، وكيف أراد التعبير عن احتجاجه على تدبير الملك الحسن الثاني لعلاقته بالحكومة. والحقيقة أن الجنرال أوفقير كان وزيرا للداخلية، أي أنه كان عضوا حكوميا. وكانت لديه علاقات قوية مع وزراء مغاربة.
بالإضافة إلى أن المعارضة أو «اليسار» لم يكونوا أصلا في أي تجربة حكومية لكي يختلف معهم الجنرال أوفقير. وهذا خطأ ذريع في المعطيات التي جمعها الأمريكيون في هذا التقرير الذي توقع أن يزداد معجبو الجنرال أوفقير في الجيش ويحاولوا بالتالي إعادة نفس التجربة.
لكن العكس تماما هو الذي وقع. فقد أصبح أصدقاء الجنرال أوفقير القدامى لا يقوون على نطق اسمه، ولم يتحرك أحد منهم للتواصل مع عائلة الجنرال بعد سنة 1972، بل هناك من أصدقائه من قام بالسطو على ممتلكات الجنرال ونقلها إلى الملكية الخاصة وكأنهم كانوا يحاولون الفوز بالعداوة مع عائلة الجنرال أوفقير حتى لا يقال مستقبلا إنهم يحملون أي ذرة حب أو تعاطف مع اسم الجنرال أوفقير.
بعد صيف 1972، أصبح اسم الجنرال أوفقير غير مرغوب فيه تماما، حتى داخل المؤسسة العسكرية. وجرى محو كامل للمناصب التي أحدثتها وعين فيها المحسوبين عليه. بعضهم استعطفوا مسؤولين كبار في الدولة لكي يبقوا في مناصبهم معلنين أنهم يدينون بشدة ما قام به الجنرال.
الخلاصة أنه لم تكن هناك فرصة نهائيا لأي تعاطف محتمل مع اسم الجنرال أوفقير.

ربما تقع انقلابات أخرى ضد الملك خلال الأشهر المقبلة (شتاء 1972)
الأمريكيون قارنوا بين الملك الحسن الثاني والملك الأردني حسين، وقالوا إن الملكيات العربية تعرضت لعدة محاولات للإطاحة بها، لكنهم قالوا إن الملك الحسن الثاني أكثر «اعتدادا» بنفسه من الملوك العرب الآخرين. وأنه أقوى منهم في تكوينه العلمي والنفسي ولديه صلابة كبيرة سوف تجعله بدون شك يرفض أي انقلاب ضده بل ويقاومه، على عكس الملكيات السابقة في دول عربية، تخلى أصاحبها عن السلطة وغادروا البلاد عند أول تهديد.
يقول الأمريكيون في هذا التقرير إنهم يتوقعون بقوة أن تكون هناك محاولات انقلابية أخرى ضد الملك الحسن الثاني في الأشهر والسنوات المقبلة، وتوقعوا أن تزداد حدة تلك الانقلابات. وهذا التوقع لم يحدث بل ولم يكن يستند إلى أية مؤشرات لتدعمه.
لم يكن في مغرب غشت 1972، وقت كتابة التقرير، ما يؤكد أن هناك جهات داخل الجيش تعمل على مخططات أخرى للإطاحة بالملك الحسن الثاني. كان هناك الجنرال الدليمي المخلص تماما للملك الراحل رغم أنه كان صديقا للجنرال أوفقير. ولم يتضح أن الجنرال الدليمي كانت لديه أطماع نحو السلطة إلا في سنة 1983، حيث ظهر للملك الحسن الثاني من خلال تقارير موثوقة من المخابرات الفرنسية أن الجنرال كان يلتقي بالجزائريين سرا في سويسرا، لبحث ملف الصحراء المغربية وهو الملف الذي كلفه به الملك الحسن الثاني شخصيا. وبدا بالواضح أن الجنرال قام بتجاوز حدوده عندما أضر بالمصالح الفرنسية في الجزائر، وكانت وفاته في نفس السنة أسابيع فقط على صدور تلك التقارير، أكبر دليل على أن مخابرات خارجية كانت على خلاف مع الجنرال الدليمي.
الأمريكيون لم يكن في تقريرهم أي إشارة إلى تقوي دور الجنرال الدليمي الذي كان بالنسبة لهم بعيدا عن شغل مكان الجنرال أوفقير، وهو ما يؤكد مرة أخرى أن تقريرهم كان ناقصا، وأن التوقعات الواردة به، كانت خيالية في كثير من المرات.

نيكسون أًخبر بشك الحسن الثاني في معرفة واشنطن بخطة الانقلاب
في الوقت الذي كانت فيه سفارة أمريكا في الرباط تعد التقرير السري الذي تناولناه في هذا الملف، كان نائب الرئيس الأمريكي، سبيرو أكنو Spiro Agnew، يركب الطائرة لكي يهنئ الملك الحسن الثاني على سلامته من الانقلاب ونجاته بحياته بأعجوبة من أخطر تهديد للعرش.
عمل سبيرو أكنو نائبا للرئيس الأمريكي ريشارد نيكسون ما بين سنوات 1969 و1973 بعد أن تدرج في العمل السياسي وقاد ولاية ماريلاند خلال الستينات بعد أن فاز بولايتها متفوقا على أعتى الأسماء السياسية في ذلك الوقت، وهو ما أهله ليكون نائبا لنيكسون. أصوله يونانية، فقد هاجر والده مبكرا من اليونان إلى الولايات المتحدة الأمريكية ليولد هناك سنة 1918.
زار المغرب في أكثر الأوقات حرجا في حياة الملك الراحل الحسن الثاني، مباشرة بعد محاولة استهداف طائرته.
قال سبيرو أكنو لمحيطه في صيف 1972، إنه وجد الملك الحسن الثاني غاضبا جدا، وسأله إن كان الأمريكيون على علم بتخطيط القاعدة الجوية في القنيطرة للانقلاب عليه، بحكم أنها كانت تقع داخل المنطقة التي يستغلها الأمريكيون للإقلاع بطائراتهم العسكرية. كانت مهمة نائب الرئيس الأمريكي صعبة للغاية، فقد كان مكتب الرئيس الأمريكي نيكسون قد توصل برسالة عبر فيها الملك الحسن الثاني عن استيائه من محاولة استهداف حياته بطائرات أمريكية وهو على متن طائرته الملكية فوق الأجواء المغربية عند عودته من رحلة بالخارج. الخارجية الأمريكية نقلت أيضا معلومات مفادها أن الجهات الرسمية في المغرب تشك في إمكانية توصل الأمريكيين بمعلومات مبكرة عن المحاولة الانقلابية على طائرة الملك، لكنها لم تبادر إلى إخباره بالأمر. وهكذا ركب نائب الرئيس الأمريكي الطائرة وتوجه إلى الرباط للقاء الملك الحسن الثاني وتطمينه ومحاولة احتواء الغضبة الملكية.
الأمر لم يكن سهلا أبدا، كما قال سبيرو نفسه، وركز خلال اللقاء الذي جمعه بالملك الحسن الثاني، على تطمينه مع التأكيد على أن القيادة الأمريكية لم تكن تعلم أي شيء عن التخطيطات التي انطلقت من القاعدة الجوية بالقنيطرة. لقاء بارد وقصير للغاية مقارنة مع الاستقبالات المهيبة التي كان يخصصها الملك الراحل الحسن الثاني للأمريكيين.
الصحافة العالمية اهتمت بخبر الانقلاب، واهتمت أكثر بزيارة نائب الرئيس الأمريكي إلى المغرب أياما بعد الواقعة، وراج في الصحافة الأجنبية أن الأمريكيين كانوا من خلال الزيارة يريدون فقط تلطيف الأجواء مع الملك الحسن الثاني، وربما كان موقفهم مختلفا لو أن الأمور عرفت منحى آخر.
كان لقاء نائب الرئيس بالملك الحسن الثاني بعيدا عن أضواء الكاميرات. قصاصة رسمية تناولت الموضوع، وظهور رسمي قصير جدا، ليتفرغ الطرفان لحديث سري، وراء باب مغلق انفرد خلاله نائب الرئيس الأمريكي بالملك الحسن الثاني لينقل له رسالة شفهية، لم تكن تحتمل أن تُكتب ربما، على لسان الرئيس الأمريكي نيكسون مفادها أن أمريكا تدعم الملك الحسن الثاني وترفض أن يتم استهداف حياته بتلك الطريقة. لكن الملك الحسن الثاني بقي غاضبا للغاية، حتى أن محيطه كانوا يتخوفون من اندلاع أزمة بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية.
لم تمض إلا سنة واحدة، بعد آخر لقاء لسبيرو بالملك الحسن الثاني، ليقع نائب الرئيس الأمريكي في فضيحة سياسية مدوية أنهت وجوده في البيت الأبيض. في سنة 1973 انفجرت فضيحة نيكسون الشهيرة التي فجرتها الصحافة الأمريكية واتهم سبيرو بالفساد وتلقي الرشوة والتهرب الضريبي، وطاردته اللعنة سنوات طويلة حتى بعد أن تقاعد وتفرغ للأدب حيث أصدر رواية هاجمته بعدها الصحافة الأمريكية، بسبب الفضيحة السياسية.
كانت لحظة لقائه بالملك الحسن الثاني إحدى أصعب مهامه السياسية والدبلوماسية، وربما لم يكن يعلم، بحكم أنه الثاني في الترتيب، بشأن التقرير السري الذي رفعته الخارجية إلى مكتب الرئيس بشأن تلك التوقعات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى