الرأيزاوية القراء

جدلية العنف واللاعنف من منظور قرآني (2)

بقلم: خالص جلبي
في هذه البحث المختصر سوف أحاول استعراض أهم الأفكار المتعلقة بهذا المذهب، الذي يقول: ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا، واستعدادنا لوضع يدنا في يد من يؤمن بالسلام ولو لم يستقبل الكعبة يوما، وعدم وضعها في يد من يؤمن بالقتل ولو حج كل سنة وقام الليل وصام الدهر، لأنه سيضحي غدا بنا، فلا أمان معه ومنه، أما من يؤمن بالسلام فلا خوف منه ولن يؤذي أحدا مهما اعتقد ودان، وهي فكرة مزلزلة للأصوليين، ولكنها مذهب السلاميين. وهو الإسلام صدقا وعدلا.
إن أول تساؤل وجهته الملائكة لحظة خلق الإنسان عن جدوى وجود هذا الكائن القاتل، «أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟». فلم تقل «أتجعل فيها من يكفر بك»، بل «أتجعل فيها من يقتل»، وهذا يعني أن العنف واللاعنف مسألة وجودية. وأول جريمة قتل حدثت على الأرض كانت بين ولدي آدم، فقال الأول: «لأقتلنك»، وقال الثاني: «لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك، إني أخاف الله رب العالمين».
ومن هذه القصة تتولد تلقائيا طريقتان لحل المشاكل: من يهدد ويقتل. ومن لا يهدد، ولا يخاف من التهديد، ولا يمد يده بالقتل، ولا يدافع عن نفسه أمام القتل. أي إن هناك مذهبان في العالم، الدموي والسلامي، وهذا يعني أن العنف واللاعنف هي مسألة التاريخ. وحسب )هيروقليطس(، فالحرب أبو التاريخ. ومن يطالع التاريخ خلال أكثر من ثلاثة آلاف سنة، منذ عرفت الكتابة في صحف إبراهيم وموسى، يصل إلى إحصائية مخيفة تقول، إن كل 13 سنة من التاريخ سادت فيها الحرب، يقابلها سنة واحدة من السلام، كما اكتشفها (غاستون بوتول) الذي درس ظاهرة الحرب. فهل هذا قدر إنساني، أم ثقافة؟
وحسب تحليل الفيلسوف البريطاني (برتراند راسل): فإن انتقال الإنسان من الغابة إلى الدولة، كان خيارا ذا اتجاه واحد من الفوضى إلى الطغيان. وهو خيار أحلاهما مر، فلم يكن السلام ممكنا بين الناس في الغابة، كما لم يستتب السلام بين الدول حتى اليوم. وحسب (ابن خلدون) في مقدمته الشهيرة، فإن (المجتمع) للإنسان يشكل ضرورة بسببين، الغذاء والدفاع. ويقول عن الغذاء إن رغيف الخبز يحتاج إلى صناعات لانهائية في شكل شبكة من التخصصات، وهذا غير ممكن بدون وجود المدينة، أي المجتمع الإنساني، ولولا مجتمع المدينة لما تشكلت الحضارة، فالحضارة ظاهرة نشأت تحت السقوف، وهذا قاده إلى فهم (ضرورة) وجود المجتمع، وبدون وجود المجتمع لم يوجد الإنسان. ولا ينطق الإنسان إلا بوجوده مع بشر مثله.
وحسب (مالك بن نبي)، المفكر الجزائري، فإن المجتمع للإنسان يعني نقل الإنسان عبر معادلتين بيولوجية وثقافية، فالأولى تعني الفرد والثانية تعني الشخص المكيف اجتماعيا. وكل الدراسات الأنثروبولوجية أكدت على أن المجتمع للإنسان، يعني نقله من البهيمية إلى جعله بشرا سويا، والطفل الذي يولد في الغابة ويحافظ على وجوده لا يزيد عن ذئب، بل هو أضل سبيلا، في رتبة حيوانية أضعف من الحيوانات. أكد هذا بيتر فارب في كتابه «بنو الإنسان»، من تجربة الدكتور (إيتار) على صبي أفيرون الوحشي. ولكن مشكلة خروج الإنسان من الغابة ودخوله المجتمع، جعلته مثل الفأر الذي استأجر لنفسه مصيدة. فخرج من فوضى الغابة ليقع في قبضة طغيان الدولة، كمن يهرب من المطر إلى ما تحت المزراب، ولم يكن من هذا بد، كما ذكرنا ذلك من الأفكار السابقة. فكانت الدولة ومجتمع المدينة جميلين من جانب، ومصيدة وورطة من جانب آخر. وصراع الأفراد غير الحروب، فالحروب هي ظاهرة صراع الدول أو تفككها، كما رأينا في يوغسلافيا ولبنان. ويرجع صراع الأفراد إلى تركيب الدماغ، فدماغ أحدنا مركب من ثلاثة طوابق، أعلاه الحديث وعمره نصف مليون سنة، أما الدماغ السفلي والمتوسط وهما مسؤولان عن المراكز الحيوية والعواطف فعمرها أكثر من مائة مليون سنة، وبينهما قدر من التفاهم، وبذلك فإن دماغ أحدنا فيه ثلاث أدمغة وليس واحدا وبثلاث لغات وبدون ترجمان، والانسجام موجود بين الدماغين السفلي والمتوسط منذ مائة مليون سنة، خلافا للدماغ الجديد المتشكل منذ نصف مليون سنة، وغير المنسجم والمتفاهم مع الدماغين الآخرين. وهذا يعني أن العدوانية مغروسة في البيولوجيا، ولسبب حيوي فالغضب والانفعال آليتان للحفاظ على الحياة، ولولا الغضب ما عاش الإنسان، ولكن المشكلة كما جاء في كتاب «الذكاء العاطفي» أن تكون العواطف بما فيها الغضب تحت سيطرة الدماغ العلوي، الأحدث والأكثر تطورا والتي تميز الإنسان عن البهيمة، وهو أمر تربوي، وهذا الوعي الخاص كسبي، كما يقول (إقبال) في كتابه «تجديد التفكير الديني»، والإنسان يولد من بطن أمه لا يعلم شيئا، ثم يبدأ العقل السنني في التكون، وهذا يحتاج إلى تأسيس كل مرة، ومن ينظر في كيفية أكل الحيوانات بعضها بعضا، يدرك أثر هذا في تصرف البشر، الذين هم ثلثان من تمساح وسبع ضاري، فوقه ثلث من كائن عاقل يحاول ضبط الوحشين.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق