الرأيزاوية القراء

حياة السود مهمة

عمرو حمزاوي
في الولايات المتحدة الأمريكية، شارك العديد من الأساتذة الجامعيين في تأسيس حركة الحقوق المدنية «حياة السود مهمة». بين علماء ومؤرخين ومتخصصين في الإنسانيات والدراسات الاجتماعية، برز في واجهة الحركة نفر من المنشغلين بالأدب المعاصر والمتأثرين بتراث الراحل إدوارد سعيد وكتاباته عن المخيلة العنصرية (وداخلها المخيلة الاستشراقية) في الأعمال الأدبية وعن المفردات اللغوية والصور الرمزية النابعة منها والمختزنة لها.
في صفوف «حياة السود مهمة»، ينشط دارسو الأدب المعاصر لتحرير اللغة والرمز من التاريخ الطويل للعنصرية الأمريكية ولتمكينهما من الانتصار لحقوق الأمريكيين السود.
على سبيل المثال، لم يعد مقبولا التحايل على واقع أصحاب البشرة السوداء بتعبيرات لغوية كالأمريكيين ذوي الأصول الإفريقية، التي توحي بالتخلص من العنصرية، بينما هي حية ترزق وتخطف حياة الكثير من السود، الذين يسقطون ضحايا لعنف أجهزة الشرطة.
لم يعد مقبولا الخجل اللغوي أو الرمزي من لون البشرة السوداء، بل المطلوب هو الاحتفاء بها وإقرانها مباشرة بالجمال، دون إحالات إلى قيم الاختلاف وحب الآخر والتعايش معه، والتي صار واضحا أن نقاط ارتكازها في الغرب الأمريكي والأوربي، هي الجنس الأبيض ولون البشرة البيضاء.
في صفوف «حياة السود مهمة»، ينشط دارسو الأدب المعاصر، للمزج بين الدفاع عن حقوق الأمريكيين السود، والمطالبة بجبر الضرر عن الضحايا، وبين الإسهام في عمل الحركة كجماعة ضغط في الكونغرس وبرلمانات الولايات، لاستحداث تشريعات جديدة للسيطرة على العنف ذي الدوافع العنصرية التي تتورط به أجهزة الشرطة.
ينشطون أيضا في الإعلام التقليدي وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، لتوعية الناس بخطر الصمت على العنصرية، ويدعمون التحرك القانوني لإنجاز المحاسبة القضائية لمرتكبي جرائم العنف العنصري ضد السود.
خلال العقود الماضية راكمت حركات الحقوق المدنية طاقات بشرية وإمكانيات مالية مؤثرة، وهذه توظف الآن للدفاع عن حقوق الأمريكيين السود. تعتمد حركة «حياة السود مهمة» على التبرعات الصغيرة والمباشرة من المواطنين، وعلى تطوع المتعاطفين معها بشيء من الوقت وبشيء من المال لإدارة جهودها.
يقدس المجتمع الأمريكي العمل التطوعي ويديره بشكل احترافي، وتؤمن أجياله الشابة أن التغيير الاجتماعي الجذري كالتخلص من العنصرية، لا يتحقق إلا بالمزج بين الضغط السياسي والتشريعي والقانوني على الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات، وبين تعبئة المتطوعين وتمكينهم من نقل الإيمان بمبدأ المساواة بعيدا وإلى كل مكان.
في صفوف «حياة السود مهمة»، يعمل دارسو الأدب المعاصر وأساتذة اللغويات على تشريح المحتوى العنصري للكتب المدرسية، وعلى توفير كتب مدرسية بديلة.
ففي العديد من المدارس الابتدائية المنتشرة عبر ولايات الوسط والجنوب الأمريكية، تستخدم كتب مدرسية بها بعض الصور والرموز العنصرية. على سبيل المثال، لن يجد التلاميذ حين يطالعون الكتب المعنية صورة لرائد فضاء أسود، أو لسيدة أعمال ناجحة سوداء، أو لجراح شهير من الأمريكيين السود. وللقضاء على عنصرية الكتب المدرسية، توثق مكاتب الحركة في الولايات المختلفة التجاوزات، وتنشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وتخاطب إدارات المدارس المعنية لاستبدال الكتب المعيبة، والاعتماد على الكتب البديلة التي بات تلاميذ المدارس وبأعداد متزايدة على دراية بها.
عانت حركات الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية طويلا حتى نالت اعتراف الأغلبية المجتمعية بعدالة قضيتها، ولم تتراجع إلى اليوم معاناة المنتمين لها والمتعاطفين معها، في سعيهم إلى انتزاع المساواة الكاملة بين الأمريكيين البيض وبين الأمريكيين السود، ومعهم الآخرون من أصحاب ألوان البشرة الداكنة. فالمجتمعات البشرية لا تتغير بسرعة أو في يسر، ولا يغيب عنها أبدا حضور القوى والمجموعات الرافضة للتغيير، والراغبة في تكريس انعدام العدل وانعدام المساواة.
وتقدم مناهضة دونالد ترامب والتحالف السياسي- الانتخابي المؤيد له لحركة «حياة السود مهمة» مثالا كاشفا لعنصرية بعض البيض، التي ترتب تشويها أعمى للحركة ولأهدافها وللمشاركين بها، وتستدعي رفضا أعمى أيضا لمواجهة العنف العنصري لأجهزة الشرطة وإقرار الإصلاحات الهيكلية اللازمة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق