الرأيكتاب الرأي

«ديربي» كوميرة

حسن البصري

يحكي عامل سابق، عايش إضراب الدار البيضاء، عن حيرة المسؤولين من مصير مباراة «ديربي» كان من المقرر إجراؤها تزامنا مع حالة الاحتقان التي عرفتها العاصمة الاقتصادية والتي أفضت إلى إضراب شل حركة المدينة يوم 20 يونيو 1981.
«كنت ضد مقترح تعليق المنافسات الرياضية، لإيماني بأن إغلاق الملاعب سيجعل فئة متطرفة تنضم تلقائيا للمضربين، وسيعم الشلل المدينة وقد تتعطل امتحانات الدورة الاستدراكية للباكلوريا التي كانت مبرمجة يوم الاثنين 22 يونيو، رفعنا المقترح إلى إدريس البصري الذي حوله بدوره للملك الحسن الثاني، فساند خيار إجراء مباريات الكرة والامتحانات رغم حالة الطوارئ».
كان لاعبو الفريقين في الفندق ينتظرون القرار، فتلقوا إشارة الانتقال إلى الملعب لخوض المباراة، وعلى الرغم من ضعف الحضور الجماهيري ورائحة البارود إلا أن المباراة بين الغريمين أجريت في موعدها، لأن الكرة تحقق السلم الاجتماعي.
صحيح لم يكن في ذلك الزمن ذكر للإلتراس والتيفوات ومنصات التواصل الاجتماعي، ولم يكن العداء بين الجماهير قد توارث أبا عن جد، ولم تكن مدرجات الملاعب تستحق استنفار السلطات الأمنية، لكن أن تذهب إلى الملعب في يوم لعلع فيه الرصاص وانتشرت في الشوارع والأزقة قوات الجيش، وأصبح الخروج من البيت، فتلك لعمري مغامرة غير محمودة العواقب.
في 21 يونيو أعلنت الدار البيضاء مدينة مضربة أغلقت منافذها ووضعت الحواجز الأمنية في دروبها، إلا ملعب كرة القدم، فقد كان لابد لـ «الديربي» أن يحيا وسط الصمت الرهيب، ولا بد للفرجة أن تجد لها مكانا في مدينة تحكمها خلية أزمة، ولا بد لقفل باب الملعب أن ينكسر.
يفرك زميل صحافي، كان محررا رياضيا في جريدة المحرر، ذاكرته ينفض عنها الغبار ليستحضر ديربي «إضراب كوميرة»: «هيأت تقريرا حول المباراة وفي نفس الليلة علمت بمنع صحافة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وفي اليوم الموالي تم احتلال مقر جريدة المحرر واعتقال رئيس تحريرها، وظل المقال في دفاتري مصادرا بقرار من البصري».
في نفس يوم الإضراب، جرت مباراة برسم نهائي كأس العرش لكرة السلة بين دار الأطفال البيضاوية والفتح الرباطي، كما أجريت باقي مباريات البطولة، رغم حالة الطوارئ فالكرة لا تفسد للإضراب قضية.
لكن إضراب كوميرة الرهيب ساهم في مقتل عشرات الرياضيين، أبرزهم ملاكم الاتحاد البيضاوي الملقب بـ «شينوا»، ولاعبين من الرشاد البرنوصي ومن فرق أخرى، أغلبهم ماتوا اختناقا في مخفر مقاطعة حضرية ضاقت بزوارها.
في كل احتقان «ابحث عن الكرة»، فقد قادت معلومات أدلى بها أحد لاعبي كرة القدم لهيأة الانصاف والمصالحة، إلى الكشف عن آثار المقبرة الجماعية التي دفن بها عدد من ضحايا أحداث 1981، وقد أكد مسؤولو الهيأة أن الإفادات التي أدلى بها أحد هواة كرة القدم لعناصرها، قد وضعتها على درب الكشف عن المقبرة التي دفن فيها ضحايا المظاهرات، إذ أخبر الرجل هيئة الإنصاف والمصالحة بأنه بعد أعمال العنف التي اندلعت في المدينة، جاءه رجال شرطة يرتدون زيا مدنيا، فحذروه من ممارسة الكرة هو وفريقه في الأرض الخلاء التي حولها إلى ملعب للكرة.
مباشرة بعد التحذير المحشو بالتهديد والوعد والوعيد، لاحظ صاحبنا أن الملعب أحيط بجدار يحجب ما بداخله، وبعد ثلاثة أيام عن أحداث 20 يونيو 1981، تم تقليب تربة ملعب كرة القدم رأسا على عقب، وكأنها معدة للحرث المبكر. كانت شهادة اللاعب إلى جانب شهادات عناصر من رجال الوقاية المدنية وأربعة أطباء، كانوا في المداومة خلال أحداث 1981 حاسمة، حيث التقت هي الأخرى في نفس الموقع المشار إليه من قبل لاعب كرة القدم وتم اكتشاف المقبرة الجماعية.
في الربيع العربي، لم تتوقف البطولة وظلت المباريات سارية المفعول، كان الجمهور في الملاعب يردد أغاني اتفق فيها الرجاويون والوداديون والطنجاويون وكل الفصائل على تطهير الكرة من المفسدين، وهم ينادون بـ «الطهارة الكبرى».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى