الرأي

زلزال إسطنبول.. بين الرؤية العلمية والخرافية (2)

خالص جلبي
جريئة عن استخدام السلاح النووي، ويمكن بتفجيرات نووية مدروسة إذابة القطب الشمالي وقلب كامل مناخ سيبيريا وشمال كندا؛ وللعلم ففي 10 يناير 2004 كانت درجة الحرارة في مونتريال 47 تحت الصفر. ولكن الجراحة الكونية ذات آثار جانبية، فإذا أصبحت سيبيريا جنات فقد تتحول ألمانيا وفرنسا إلى سهوب بدون غابات. وما سيدفع لأي قرار هو اتفاق دولي. وفي يوم كانت الكهرباء صواعق تحرق المباني وتقتل الناس واليوم حبست الكهرباء في سلك ولا نستغني عنها في كل بيت ومصنع، وهكذا فالظواهر الكونية قد تكون مصدر رعب للأميين فيعبدوا الحجر والبشر أحياء وأمواتا. وقد يفكر عبقري في شوك الحدائق، فيستخرج منه نظاما جديدا للأحذية، كما في تلك التي لا تحتاج إلى خيطان، بل بتشابك سطح خشن مع ناعم. وبركان فيزوف انفجر ليس لأن أهل بومبي كانوا فجرة، فأهل روما كانوا أفجر واستمروا يعربدون ويتفرجون على المجالدين المقرودين ينحر بعضهم بعضا. فيجب فتح العقل على فهم سنن حدوث الأشياء، وإلا كنا نكذب على الله. وما حدث (للشيعة) في إيران و(السنة) في تركيا والقاهرة، حدث (للمسيحيين) في مدينة (سان فرانسيسكو) عام 1906 فزلزلت الأرض زلزالها وأصبحت المدينة كومة أشباح. وفي كل عام ترتج الأرض تحت أقدام (البوذيين) في اليابان، فلا يموت إلا قليلا. ولم يفرق الزلزال في ضربته بين عقائد الناس، بقدر خضوعهم جميعا لقانون واحد. وعندما تجتاح الكوليرا بلدا فبسبب القذارة. وفي عام 1905 كان يموت من أهل مدينة هامبورغ الألمانية كل يوم ألف مريض بالكوليرا. وعندما ينفجر الطاعون في الهند فبسبب عبادة الجرذان. وينقل لنا التاريخ وقائع مضحكة، ففي أيام (نور الدين الزنكي) اشتدت الزلازل وهبطت الكنيسة في أنطاكية على رأس أثناسيوس بطريق الأرثوذكس وقساوسته، وهم يؤدون القداس، فاعتبر الكاثوليك ذلك معجزة إلهية «وأسرع بوهيمند الثالث فاستدعى الأسقف الكاثوليكي أيمري فنصبه بطريقا على البلد واعتبر ذلك نعمة من الله وفألا حسنا»، كما يذكر ذلك (حسين مؤنس) في كتابه عن (نور الدين الزنكي). ولكن الزلازل ضربت يومها الجميع مسلمين وصليبيين، من حلب حتى طرابلس وجرابلس.
وفي عام 1755م وتماما عند الساعة التاسعة وأربعين دقيقة من صباح أول نونبر، احتشد الناس في الكنائس في لشبونة بكامل زينتهم في عيد (كل القديسين)، فاهتزت الأرض وفي ست دقائق تهدمت ثلاثون كنيسة وألف منزل ومات تحت الأنقاض خمسة عشر ألف إنسان في واحدة من أجمل عواصم العالم يومها.
وبدأ الناس يحاولون تفسير ما حدث فأما (مالا جريدا)، وهو أحد اليسوعيين فقال إن الزلزال كان عقابا من الله على الرذيلة التي استشرت في لشبونة. ولكن الزلزال قضى على القساوسة المتبتلين والراهبات المتفانيات في الخدمة ووفر ألد أعداء اليسوعيين، كما يقول المؤرخ (ويل ديورانت).
أما أهل المغرب فهللوا للحدث يومها واعتبروه انتقاما إلهيا من محاكم التفتيش في البرتغال، ولكن الزلزال لم يعف عن المغرب فكمَّل طريقه إلى الرباط فهدم المسجد الأعظم فيها، فخر على رؤوس الناس وهم يصلون.
أما (البروتستانت) فقالوا إن هذه الكارثة هي استنكار السماء لجرائم الكاثوليك ضد الإنسانية. وأعلن (وليم روبرتون) أن مذبحة لشبونة «أبرزت عظمة الله في أبهى صورها»، ولكن الجواب عن هذا التفسير جاء بعد 18 يوما، حيث زلزلت الأرض زلزالها على الحافة الأخرى من الأطلنتي، فقتل في مدينة (بوسطن) أكثر من خمسة عشر ألفا من (البروتستانت) حيث موطن الحجاج والبيورتانيين (المتطهرين).
وحتى فولتير وقف مذهولا أمام فظاعة الحدث، ولكنه استشاط غضبا من سخف التفسيرات، وكتب يقول في ذروة الحزن: «أيها الحكماء الحمقى الذين ينادون بأعلى صوت كل شيء حسن تعالوا وتأملوا هذه الخرائب والأطلال الرهيبة وهذا الحطام والأشلاء والرماد وجثث بني جنسكم». لينتهي إلى القول: «ولكن أي جريمة ارتكبها هؤلاء الأطفال الذين اغتالهم الزلزال وسالت دماؤهم وهم في أحضان أمهاتهم؟ وهل كانت رذائل لندن أو باريس أقل من رذائل لشبونة؟ ومع ذلك دمرت لشبونة وباريس ترقص».
أما جان جاك روسو فاعتبر أن ما تعاني الإنسانية من علل وشرور هو نتيجة لأخطاء البشر، وأن زلزال لشبونة هو عقاب عادل للإنسان، لتخليه عن الحياة الطبيعية وإقامته في المدن، ولو أن الناس التزموا الحياة البسيطة في مساكن متواضعة لما حصل كل هذا الدمار.
وبقي فولتير لفترة طويلة مصدوما من الحدث، ثم خرج على الناس بأجمل إنتاج أدبي على شكل قصة أخذت اسم الشاب كانديد، وبمجرد صدور الكتاب أمرت الرقابة في ألمانيا بحرقه واعتباره هرطقة. وأنكر فولتير أن يكون مؤلفه وقال: «لابد أن الناس فقدوا عقولهم لينسبوا لي هذه المجموعة من الهراء».
إن خطورة العقل الخوارقي أنه يعطل كل جهد بشري. وفي العصور الوسطى كانت الكنيسة تبيع تذاكر لدخول الجنة وتعالج السعال الديكي بلبن الحمير، وحين ظهرت أعراض التهاب المفاصل الزهري على البابا ألكسندر السادس كان يعزي سبب مرضه إلى تعكر مزاج المريخ، ونحن نعرف أن الزهري ينتشر بالزنا، ولكن هل البابا يزني؟
والعقل العربي اليوم مغتال بسموم من التصور الخوارقي للأشياء والفهم المقلوب للتاريخ. وعندما انفجر شالينجر، مكوك الفضاء، اعتبره البعض عقوبة إلهية ونظر إليه الأمريكيون أنه خطأ فني وأرسلوا بعده العشرات، وفي يناير 2004 أرسل المكوك الفضائي الأمريكي روفر صورا من المريخ. فمن يبني عقله على العلم يبني لنفسه بيتا في المريخ، ومن يبنيه على الخرافة ينحبس في خانة المجهول والتخلف.
إن العقل الخوارقي مرض عجيب مثل القراد الذي يضرب قبائل النحل، فلا يبقى قفيرا ولا عسلا. ومن يمشي على رأسه يخسر رأسه ورجليه معا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى