الافتتاحية

عزلة التنين

كان كافيا أن يعصف فيروس كورونا بأرواح 213 قتيلا (إلى حدود يوم الجمعة) في بلد كالصين، يسكنه حوالي ملياري نسمة، لكي تعلن منظمة الصحة العالمية حالة طوارئ عالمية.
تبعا لذلك أعلنت شركات طيران عالمية عن تعليق رحلاتها إلى الصين، منها الخطوط الجوية الملكية التي لم يمض أكثر من أسبوعين على افتتاح أول خط رحلات جوي بين الدار البيضاء وبكين.
آلاف الرحلات السياحية داخل ونحو الصين تم إلغاؤها، البورصة تتهاوى في الأسواق الآسيوية متأثرة بالتراجع الكبير الذي طرأ على بورصة بكين، فيما السلطات الصينية قررت إغلاق بعض المصانع والشركات ومصانع تملكها دول أجنبية في البلاد، مع كل ما يعنيه ذلك من توقف لعجلة الإنتاج في البلاد، ما يلقي بظلاله على الصادرات الصينية التي تصدر إلى عدد من الدول الأخرى.
ما من شك أن فيروس كورونا سيصيب اقتصاد التنين الآسيوي في مقتل، وسيتسبب في لجم التفوق الذي حققه خلال السنوات الأخيرة، مهددا اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية بالتراجع إلى المرتبة الثانية بعد الصين.
البعض يرى أن خطوة منظمة الصحة العالمية متسرعة، بالنظر إلى عدد ضحايا الفيروس (مقارنة مع ضحايا إيبولا الذي عصف بالآلاف دون إعلان حالة طوارئ عالمية)، الذي يبقى قليلا بالنظر إلى عدد سكان الصين.
لكن هناك رأيا آخر يرجح قرار المنظمة، بالنظر إلى سرعة انتشار الفيروس وعدم الحصول بعد على لقاح مضاد له.
بالنسبة إلى الصين فظهور الفيروس كان فرصة لكي تظهر أمام العالم جاهزيتها ومقدرات عمالها على تشييد مستشفى في عشرة أيام، وهي دعاية موفقة لدولة تبحث لشركاتها عن مشاريع في إفريقيا والدول النامية.
من جهة أخرى، فمسارعة الحكومة الصينية إلى تشييد مستشفى في مدة عشرة أيام بسعة ألف سرير في مدينة ووهان، موطن الفيروس، تكشف أنها تعرف خطورة الفيروس وحجم الدمار الذي سيحدثه، لذلك فهي تستعد له.
«ديلي ميل» البريطانية نشرت قبل ثلاثة أشهر توقعا لخبراء صحة أمريكيين بارزين، حول تفشي «فيروس كورونا» في الصين، وحسب توقعات هؤلاء العلماء، فمن المحتمل أن يفتك الفيروس بقرابة 65 مليون شخص في العالم، خلال 18 شهرا فقط.
لقد كان العالم يتوقع حربا تجارية بين الصين وأمريكا بالوسائل التقليدية، غير أن الطبيعة، التي تتعرض على يد الصين وأمريكا لتخريب ممنهج، كان لها رأي آخر.
الهواء الذي يتم تسميمه والغابات التي يتم اجتثاثها والحيوانات التي تنقرض بسبب الإقبال على أكلها، كلها وجه مغيب لهذا الفيروس الغامض الذي لا أحد إلى اليوم يعرف سببه ولا طريقا لعلاجه.
علينا أن نستعد للأسوأ، لأن العالم مقبل على موجة جديدة من الفيروسات والبكتيريات المدمرة، التي ستعيد سهم النمو الديموغرافي إلى رشده بعدما انطلق نحو الأعلى، فالوتيرة التي يتكاثر بها البشر، خصوصا في الصين التي قضت على الفقر وصار بمستطاع مواطنيها العيش خارج الهشاشة، لا تسير بالتوازي مع الموارد الغذائية والمائية والطاقية التي تعطيها الأرض.
وبالنسبة إلى الصين التي تعتبر مصنع العالم، ستتعرض ربما لأول مرة خلال تاريخها لحجر صحي من طرف بقية دول العالم بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، سيجعل اقتصادها ينكمش ويعود إلى حجمه السابق، وتتوقف بكين عن تهديد مصالح الشركات الكبرى الأمريكية، ومراجعة مخططات غزوها للقارة الإفريقية. أليس هذا أعز حلم لدى سكان البيت الأبيض؟ إنها عزلة التنين.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق