حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الافتتاحيةالرئيسيةسياسية

 إصلاحات فاشلة بكلفة ثقيلة

صادق مجلس النواب، في جلسة تشريعية عقدها أمس الثلاثاء، على مشروع القانون المتعلق بإصلاح التعليم العالي، الذي أثار جدلا في الأوساط الجامعية. ويهدف هذا المشروع إلى تحديد توجهات السياسة العمومية المتعلقة بالتعليم العالي والبحث العلمي، وكذا تنظيمه العام، سيما القواعد المتعلقة بهيكلته ونظام حكامته، والقواعد العامة لهندسته البيداغوجية واللغوية، وآليات مواكبته وتتبعه وتقييمه.

لن ندخل في هذا الجدل، وسنركز على المستوى الذي وصلت إليه الجامعات المغربية التي كانت مشتلا لتخريج الأطر والمفكرين في كل التخصصات، وكانت الساحات الجامعية تغلي بالنقاشات الفلسفية والسياسية والإيديولوجية، لكن السياسات الحكومية المتعاقبة قتلت الحياة التي كان ينبض بها الحرم الجامعي، وجعلت الجامعة مشتلا لتخريج العاطلين.

ومن مظاهر الأزمة العميقة للتعليم العالي بالمغرب تصنيف الجامعات المغربية في مؤخرة ترتيب الجامعات بمعظم دول العالم، لأن هذه الدول تشجع على البحث العلمي وتخصص لذلك ميزانيات باهظة، لكون البحوث العلمية تعتبر مقياسا لتقدم هذه الدول ونموها الاجتماعي والاقتصادي، فالدول التي تعرف كيف تطبق نتائج الأبحاث العلمية التي تقوم بها جامعاتها، نجدها دائما تحتل مكان الصدارة في مجالات علمية عديدة.

لم يعد الحديث عن أزمة التعليم العالي بالمغرب ترفاً فكرياً أو مادة موسمية للنقاش، بل أصبح توصيفاً دقيقاً لوضع بنيوي مختل، راكمته سنوات من القرارات المرتجلة والإصلاحات غير المكتملة، حتى تحولت الجامعة المغربية إلى عنوان للإحباط بدل أن تكون رافعة للتنمية وصناعة النخب.

فعلى امتداد أكثر من عقدين، تعاقبت مخططات واستراتيجيات كبرى بأسماء مختلفة، من قبيل الميثاق الوطني للتربية والتكوين، والمخطط الاستعجالي لإصلاح التعليم الذي كلف خزينة الدولة أكثر من 43 مليار درهم، وكان مآله الفشل، ثم الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم 2015–2030، غير أن القاسم المشترك بين هذه الإصلاحات جميعاً هو الفجوة الصارخة بين النصوص والواقع، لأنها ظلت مجرد حبر على ورق، بينما واصلت الجامعات العمومية الانحدار على مستوى الجودة، والبحث العلمي وربط التكوين بسوق الشغل.

اليوم تعيش الجامعة المغربية أسوأ أزمة في تاريخها، تتجلى مظاهرها في ارتفاع نسبة الهدر الجامعي، التي وصلت إلى 50 في المائة، حسب معطيات رسمية، بالإضافة إلى الاكتظاظ في المدرجات، والخصاص المزمن في الأساتذة، وضعف التجهيزات وهشاشة البنيات التحتية.

هناك آلاف الطلبة يتابعون دراستهم في ظروف لا تليق بمؤسسة يفترض أن تُعدّ أطر المستقبل، وفي المقابل تتخرج سنوياً أفواج من حاملي الشهادات العليا ليجدوا أنفسهم في طوابير البطالة، ما يطرح سؤال الجدوى والملاءمة مع سوق الشغل ومستجدات العصر.

الأخطر من ذلك أن الإصلاحات المتعاقبة تعاملت مع التعليم العالي بمنطق تقني ضيق، معزول عن السياق الاقتصادي والاجتماعي، حيث تم التركيز على إعادة هيكلة المسارات والشهادات، دون معالجة جوهر الأزمة المتجلية في ضعف الحكامة وغياب الاستقلالية الحقيقية للجامعة، بالإضافة إلى هشاشة التمويل العمومي وانعدام رؤية واضحة للبحث العلمي باعتباره استثماراً استراتيجيا.

خلاصة القول لم يعد السؤال المطروح اليوم: هل نحتاج إلى إصلاح جديد؟ بل السؤال هو هل هناك جرأة وإرادة سياسية لإصلاح حقيقي للتعليم العالي؟ إصلاح يعيد للجامعة دورها كمختبر للأفكار، وفضاء للنقد ومحرك للتنمية، لا مجرد محطة عابرة نحو بطالة مؤجلة، لأنه بدون جامعة قوية، لن يكون هناك اقتصاد قوي، ولا إدارة تتوفر على كفاءات ولا ديمقراطية حقيقية.

إن إنقاذ التعليم العالي هو إنقاذ لمستقبل البلاد، وأي تأخير إضافي ليس سوى تعميق لأزمة يدفع ثمنها جيل كامل.

 

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى