
يونس جنوحي
إعفاء نهائي لباشا و«قايد» في منطقة المعاريف بالدار البيضاء، والسبب هدم بناية «دار الستوكي» التراثية.
ما أكثر المواقع التي هدمها الإهمال وليس القرارات الإدارية، لكن المختلف في فيلا «دار الستوكي» أن الشركة التي اقتنتها سنة 2025، لم يُسمح لها بالهدم، وإنما بالترميم فقط، غير أن «المعجزة المغربية» وقعت. التفت الشركة على ترخيص الترميم وحولته إلى هدم كلي، وهو ما فجر القضية وأدى إلى فتح تحقيق معمق لكشف ملابسات استصدار قرار الهدم، ثم التوقيف النهائي للمسؤولين.
البناية المهدمة كانت في الأصل فيلا، بُنيت سنة 1932، وصنفت ضمن تراث مدينة الدار البيضاء، وتعامل معها المتخصصون على أنها جزء من الهوية المعمارية للدار البيضاء العصرية التي بُنيت خلال العقد الثاني من فترة الحماية الفرنسية.
فجأة، أصبحت الفيلا ضمن خانة الاهتمام، رغم أنها قضت سنوات طويلة مهملة لا ينظر إليها أحد. جدران كالحة ولون لا يمكن الإقرار ما إن كان أبيض أم شيئا آخر.
الحالة المزرية، التي وصلت إليها البناية، جعلتها محط أطماع المنعشين العقاريين قبل سنة 2010، وجرت محاولات كثيرة لتفويتها لصالح أباطرة العقار، القادمين من خارج الدار البيضاء ومن داخلها أيضا.. لكن كل المفاوضات باءت بالفشل.
وفي عز الحجر الصحي، على خلفية انتشار «كوفيد 19»، كانت هناك أعين فضولية تنظر إلى الدار بكثير من الريبة، ولم تفلح محاولات بيع العقار بغرض هدمه، وظل قدره معلقا إلى أن جاءت الشركة التي استصدرت القرار في التفاف صريح على القانون.
لماذا لم يعتن ورثة دار الستوكي بالفيلا، ويحولوها إلى متحف مثل ما صنعت عائلات كثيرة في المدن التي تتوفر على دور مشابهة؟
ما عانته دار الستوكي، قبل هدمها المؤسف، تعانيه اليوم مئات البنايات التراثية في مختلف ربوع المغرب، من بينها بنايات شهدت أحداثا تاريخية مفصلية، وزارها كبار الشخصيات، بل وقضى فيها رؤساء وملوك ليالي وأياما، وتحولت إلى مطرح غير مُعلن للمتلاشيات.
وإذا كانت دار الستوكي حظيت بالاهتمام بعد أن ضاعت، فإن بنايات أخرى لم يهتم بها أحد لا قبل ولا بعد زوالها، من بينها بنايات كانت مملوكة لمعمرين فرنسيين، بينهم صحافيون وكتاب وأدباء وكبار رجال أعمال فرنسا الذين سكنوا في «بيلفيدير»، وأحياء المدينة الجديدة في مختلف جهات المغرب. وبعد 1956 تحولت تلك البنايات إلى ملكية شخصيات مغربية -لا حاجة أبدا للقول إن ظروف تفويت هذه العقارات مشبوهة ويحيط بها الغموض- ومنها ما بقي مهجورا إلى أن أتت عليه موجة تحويل كل ما هو جميل إلى بنايات إسمنتية صامتة بدون أي تفاصيل جمالية.
«دار الستوكي» يمكن أن يعاد بناؤها الآن وفق المعايير المعمارية التي تنتمي إلى مدرسة المهندس نفسه الذي بنى الفيلا قبل 94 سنة من اليوم. المشكل ليس في إعادة بناء الدار التي لم يكن ترميمها يتطلب نهائيا هدمها، لكن الكارثة في حالة «الخواء» الذي تعاني منه مواقع تراثية في الدار البيضاء وخارجها أيضا، وفي كل المدن التي عاشت فترة انتعاش عقاري على يد المعمرين الفرنسيين.
إذا كانت مواقع تراثية وأثرية تعود إلى عصر الموحدين والسعديين، أي قبل خمسة قرون على الأقل، ودفنت الآن كليا تحت رماد «مجامر» سكان الأحياء الشعبية في مدينة مثل تارودانت.. فلا عجب أن تُهدم «دار الستوكي» ودور كل من تركوا فيلا تحمل أسماءهم.
الواقعة جعلت كل المتربصين بأمتار التراب في الأحياء الراقية، يعيدون أيديهم إلى جيوبهم، ويعلنوا فترة راحة «إدارية»، غير مؤدى عنها بطبيعة الحال، إلى أن تهدأ العاصفة.. بقي فقط أن نعرف ما إن كانت عطلتهم نهائية، أم أنهم يستعدون للعودة سعيا وراء ستوكي آخر.





