الرأي

عملية إحماء

حسن البصري

عندما ستنتهي منافسات بطولة كرة القدم في بلادنا، سندخل غمار الانتخابات. في الكرة وفي السياسة، لا بد من بطل ووصيف بطل و«مكردعين» رمت بهم الأقدار إلى أسفل المراتب.
الفرق بين المنافسات الرياضية والانتخابية، أنه في عالم الكرة لا نشم رائحة البيع والشراء إلا في المباريات الأخيرة من الدوري الوطني، فيما تعرض الذمم للبيع مع انطلاقة المباريات السياسية، ويحسم الأمر بمنطق الدفع قبل الخدمة.
الاستحقاقات الانتخابية على الأبواب والاستحقاقات الكروية تستعد للمغادرة من الباب الخلفي، بعدما سبقتها النزاهة حين خرجت من النافذة، يكفي الرجوع إلى بلاغات لجان الأخلاقيات لنقف عند مصائر الباعة المتجولين وسماسرة المباريات.
تقول حكومتنا إن الانتخابات المقبلة سوف تكون نزيهة، وهو ما يؤكده أكثر من قيادي قبل كل انتخابات، لماذا لا نجرب مرة واحدة انتخابات مزورة؟
ما أن ينفض الرياضيون أياديهم من وسخ الكرة، حتى يشرعون في عملية إحماء استعدادا للمباريات السياسية، فالكرة بدون سياسة كطعام أصحاب الحمية. كالعادة سيدخل اللاعبون والمدربون والمسيرون والحكام والمشجعون غمار الاستحقاقات، أملا في استثمار النجومية الكروية، ورغبة في وجاهة جديدة إلى جانب الانتهازيين والمندسين وحسن أولئك رفيقا.
في الجارة الجزائر التي تدخل غدا غمار الانتخابات التشريعية، فضل العديد من الرياضيين ركوب موجة الاستحقاقات، وبحثوا لأنفسهم عن كرسي تحت قبة البرلمان. لكن المثير للاستغراب أن أغلب المرشحين الرياضيين ينتمون إلى الرياضات القتالية وفنون الحرب والمبارزة. فقد شهدت اللوائح الانتخابية المرشحة، وجود رئيس الاتحاد الجزائري للمبارزة عبد الرؤوف سليم برناوي، عن تجمع «أمل الجزائر». وقدم أبو بكر مخفي، الرئيس السابق للاتحاد الجزائري للكاراتي، ترشيحه عن حزب التجديد الجزائري. وعلى المنوال نفسه سار رئيس الاتحاد الإفريقي للفوفيتنام، محمد جواج، الذي ترشح ضمن قائمة حرة، في الوقت الذي يقدم البطل الأولمبي في رياضة الجيدو، عمار بن يخلف، شكواه بسبب إقصائه من قائمة الترشح للانتخابات التشريعية، طبعا السبب لا علاقة له بخلل في الميزان أو تناول للمنشطات.
عندما يقرر المقاتلون والمصارعون الجزائريون دخول قبة البرلمان، فإنهم يراهنون بالتأكيد على نقل معارك الحراك من الشارع إلى القبة. حينها لن يجرؤ رئيس الجلسة أو وزير على التصدي لمبارزين عركتهم الحلبات، وسيكون للسجال منحى آخر.
في المغرب تلتقي الكرة مع السياسة في ظاهرة الترحال، لكل منهما «ميركاتو» تحكمه البراغماتية، في القطاعين معا لا حرج على اللاعب والسياسي إذا غير لونه مرات ومرات، يكفي أن يجد نصف مبرر لتغيير الجلد واستبدال نبرة الخطاب.
واهم من يعتقد أن شعبية الرياضي هي جسر عبور نحو الوجاهة السياسية، فقد سقط في امتحان الاستحقاقات أبطال كثر فاقت شعبيتهم كل التوقعات، لقد خسر العداء سعيد عويطة الرهان الانتخابي، وتبين له أن الركض في مضمار السياسة يحتاج إلى حقن منشطة. وانهزم بادو الزاكي، حارس المرمى الأسطوري، في الانتخابات وعجز عن التصدي لركلات الجزاء. واعتقد عبد الله غلام، رئيس الرجاء الرياضي الأسبق، أن نظافة يده ستحجز له مكانة في الاستحقاقات، لكنه ضرب كفا بكف وانسحب دون أن يعرف سر الخسارة في عقر الدار، ولائحة الوجهاء المنهزمين طويلة.
ولأن السياسة هي ثاني أقدم مهنة في التاريخ، وتشبه الأولى إلى حد كبير، في استباحة البيع والشراء، ليس للمباريات فقط بل لأعراض الرؤساء أيضا، لذا يمكنك شراء رئيس مستعمل عبر وسيط، أو التسوق عبر الإنترنت دون الحاجة إلى وساطة، كما يمكن الدفع عبر أقساط مريحة.
حين يتداخل موعد انطلاق مباريات الكرة مع مباريات السياسة، تظهر العفاريت وهي في كامل لياقتها البدنية، تلعب وتشجع وتستقطب وتتوعد تماما كالعفريت وأحمده، الذي طالعنا في منهاج بوكماخ، ويتحولون إلى أتباعه، يعرضهم للبيع في نهاية كل موسم كروي كاللاعبين، مع لازمة استهلاكية بغيضة تقول: «اشتر لاعبا واحصل على الثاني مجانا»، في زمن لم يعد فيه فرق بين اللاعب وقطع البيتزا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى