مذكرات

عندما أطلق اسم فرحات على كثير من مواليد انتفاضة كريان سنطرال

حسن البصري

في يوم الأحد فاتح يونيو 2014، استقبل الملك محمد السادس في مقر إقامته بتونس، أم الخير حشاد، أرملة المرحوم فرحات حشاد، ونجلها نور الدين حشاد، رئيس مؤسسة فرحات حشاد، التي تعنى بالدراسات والأبحاث التاريخية، وكان اللقاء جزءا من برنامج العاهل المغربي أثناء زيارته إلى تونس.
وذكر بلاغ للديوان الملكي أسباب النزول، وقال إن المناسبة كانت فرصة لاستحضار الأواصر الأخوية التي كانت تربط المرحوم حشاد بالمغرب، وبرجالات الحركة الوطنية المغربية، وفي مقدمتهم المغفور له الملك محمد الخامس رحمه الله، مشيرا إلى أن اغتيال هذا المقاوم المغاربي الكبير سنة 1952 خلف موجة من الاحتجاجات والأحداث الدامية بمدينة الدار البيضاء.
من جهته قال نور الدين حشاد، رئيس مؤسسة فرحات حشاد، في تصريح للصحافة التونسية، عقب الاستقبال الذي حظي به إن “الاستقبال شكل مناسبة لتجديد التشبث بالعلاقات التاريخية بين الشعبين المغربي والتونسي”. وأوضح أن الملك تناول في كلمته دور الفقيد في خلق “الالتحام بين الشعبين، تجلى في أبهى حلله يومي 7 و8 دجنبر 1952، عندما خرج سكان مدينة الدار البيضاء في مظاهرة حاشدة ضد المحتل الفرنسي عقب اغتيال فرحات حشاد، أحد الوجوه البارزة في المقاومة في بلدان المغرب العربي”.
وروت أرملة الفقيد حكاية اغتيال زوجها النقابي في صباح يوم 5 دجنبر عام 1952، حين تبعته سيارة في الطريق من الضاحية التي كان يقطنها خارج العاصمة تونس وأطلق عليه النار، ثم فرت السيارة هاربة، ولكن حشاد أصيب فقط في ذراعه وكتفه وتمكن من الخروج من السيارة، وبعدها ظهرت سيارة أخرى وأجهزت عليه بإطلاق النار على رأسه، وتم إلقاؤه على جانب الطريق بعد التأكد من موته، وعندما أعلن نبأ اغتياله على المذياع في الظهيرة اجتاحت المظاهرات مدن العالم.
كانت تصفية الرجل على يد تنظيم “اليد الحمراء الفرنسية” دافعا لأبناء الحي المحمدي وسكان كريان سنطرال بالخصوص للتضامن مع الفقيد. عقدت اجتماعات سرية بين النقابات المغربية وحزب الاستقلال خلصت إلى الاتفاق على تنظيم إضراب عام مدته 24 ساعة، احتجاجا على هذا الاغتيال.
لكن الإضراب كان أشد شراسة في الحي المحمدي، بالرغم من تحذير السلطات الاستعمارية للسكان ومنعهم من الخروج في هذه المظاهرات، وقام “البراحون” بإعلان وصلات تحذيرية في جولاتهم عبر أزقة الحي، لكن الاحتقان بلغ أقصى درجاته، حيث خرج الآلاف في مسيرات احتجاجية أرهبت المستعمر وعملائه، وتمت مواجهة الاحتجاج بالعنف ليتم قمع الانتفاضة.
تقول شهادات نجيب تقي، الباحث في تاريخ المغرب المعاصر وصاحب كتاب “جوانب من ذاكرة كريان سنطرال الحي المحمدي في القرن العشرين”، إن الحي شهد مجموعة من الضحايا المعتقلين في صفوف المقاومة إبان فترة الاستعمار الفرنسي للمغرب، إثر العمليات الفدائية التي أعقبت الحملة التضامنية مع النقابي فرحات حشاد، “تحول الحي إلى حمام دم يجهل لحد الآن العدد الحقيقي للشهداء والمعتقلين والجرحى، حيث استعملت البنايات العالية على أكواخ الفقراء مثل المراحيض العمومية وبعض الأبنية المرتفعة لإطلاق الرصاص على المحتجين العزل، وتم دفن بعض القتلى داخل البراريك خوفا من المتابعة البوليسية والاعتقال، وهناك معتقلون حكم عليهم بالسجن والأعمال الشاقة لسنوات، هذا بالإضافة إلى طرد العمال المشاركين في الإضراب من عملهم، كما تدخلت سلطات الاحتلال لدى المدراء لإخبارها بالمتغيبين يوم الإضراب، ومراقبة ما إذا بهم خدوش أو ضمادات للتأكد من مشاركتهم في العصيان المدني”.
فر العديد من السكان خارج الدار البيضاء هروبا من جبروت السلطة، التي أجهزت على الأخضر واليابس، كما باشرت الحماية عملية طرد واسعة في صفوف النقابيين المغاربة، وامتد الانتقام ليشمل تلاميذ المدارس الحرة والأساتذة والموظفين.
الغريب في هذه المعركة أن نساء الحي المحمدي أجمعن على تسمية مواليد اليوم الدامي باسم فرحات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى