الرأي

عودة طالبان القديمة

سامح راشد

تنطبق مقولة “الطبع يغلب التطبّع” على حركة طالبان، فقد حرصت الولايات المتحدة على تبرير الانسحاب من أفغانستان بأسباب مختلفة، منها حدوث تغيير حقيقي في سلوك الحركة وتوجهاتها. بل إنّ إدارة الرئيس الأمريكي طرحت لائحة مطالب على طالبان قبل إتمام الانسحاب، في مقدمتها ألّا تتحوّل أفغانستان إلى مأوى للإرهابيين ومصدر تهديد للولايات المتحدة أو أي من حلفائها، وتغيير سلوك طالبان نفسها تجاه الشعب الأفغاني، وبشكل أكثر تحديداً، السماح للمرأة الأفغانية بالتعلم والعمل، وكذلك حماية حقوق الأقليات والفئات التي كانت الحركة تعتبرها “مارقة”.
مقابل هذه المخاوف والمطالب الأمريكية، حرصت طالبان على طمأنة العالم. وقدّمت تعهدات علنية بلسان كبار مسؤوليها، أبرزها تصريحات المتحدث الرسمي باسمها، ذبيح الله مجاهد، أنّ الحركة تتعهد بألّا تكون أراضي أفغانستان مصدر تهديدٍ لجيرانها أو للعالم. فوفقاً له، ترى طالبان أنّ “هناك اختلافاً هائلاً بين ما نحن عليه الآن وما كنا عليه قبل عشرين عاماً”، أي أنّ الحركة تنطلق من النموذج الأصلي المتطرّف، وبالتالي، فإنّ أيّ إجراءاتٍ متطرّفة تقوم بها حالياً هي في نظر طالبان مرونة، بل تنازل، مقارنة بما كان يجب تطبيقه.
وهنا تتضح حقيقة الخطاب المعتدل والرسائل الإيجابية التي تبنتها طالبان في الفترة القصيرة التي صاحبت خروج القوات الأمريكية، إذ كان الأمر متعلقاً بتمرير فترة الخروج الأمريكي بسلام، من دون استفزاز لواشنطن وللعالم، حتى تُحكم سيطرتها على الحكم والوضع الميداني بأفغانستان. لذا استمرّت لغة المهادنة تجاه الأمريكيين والغرب والعالم، حتى دانت السيطرة للحركة على كلّ الولايات الأفغانية. وبعدها بدأت طالبان تتراجع تدريجياً عن الخطاب الليّن، بالتوازي مع اتخاذ إجراءاتٍ تعكس روح التشدّد والتطرّف، فبدأ بالفعل تقييد حركة النساء، بما في ذلك فرض قيودٍ على طالبات المدارس والجامعات. كما تم إعدام مواطن كان مسؤولاً كبيراً بإحدى الولايات، على خلفية اتهاماتٍ بالفساد. وبدأت مجموعات أمنية تابعة للحركة بسط سيطرتها على الشوارع الأفغانية، ليس فقط لحفظ الأمن، لكن أيضاً لمنع أي انتهاكاتٍ أو خروقٍ قانونية أو أي تصرّفات يراها الأفغان طبيعية، فيما تعتبرها الحركة غير شرعية.
هذه التراجعات كفيلةٌ ليس فقط بإثارة القلق من مستقبل أفغانستان تحت حكم طالبان لكنها أيضاً تدعو إلى التساؤل عن حقيقة تطور فكر الحركة وتطور إدراكاتها للسياسة والحكم ومقتضياتهما. وليس أدلّ على ذلك من غموض موقف الحركة وتذبذبه من بعض التنظيمات الإرهابية، مثل تنظيم الدولة الإسلامية، وتحديداً ما يعرف بولاية خراسان التابعة للتنظيم. وهنا يتجلّى المأزق الذي دخلته طالبان، بغية تمرير الخروج الأمريكي واحتلال منصّة الحكم بأفغانستان، فالحركة المصنّفة إرهابية لدى الولايات المتحدة منذ سنوات خاضت عملية تفاوضية طويلة مع واشنطن، وتوصلت خلالها إلى تفاهماتٍ وتعهدات، فيما هي تستضيف جماعاتٍ مسلحة وتنظيمات إرهابية، بدأت بالفعل في ممارسة عمليات إرهاب ضد المدنيين.
في ظلّ هذا التناقض، مستقبل أفغانستان مفتوح على الاحتمالات كافة، لكنّ أقربها إلى المنطق، واتساقاً مع سلوك طالبان الفعلي، وليس التعهدات الكلامية، أنّ شبح التنظيم الذي هدم تماثيل بوذا قبل عشرين عاماً لم يتبدّد كلياً، بل بدأ يلوح في الأفق الأفغاني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى