الرأيزاوية القراء

فكرة القانون (السنة الوجودية)

بقلم: خالص جلبي
يتألف الكون من مادة وطاقة وزمان ومكان وقوانين، في حزمة من الحقائق الأساسية حول فكرة القوانين يجب تأسيسها:
1 ـ يمتاز القانون أولا بالشمولية: فقانون الجاذبية موجود في المشتري وعلى ظهر القمر مثله في الأرض، وأثر الحرارة على المعادن يعمل في المريخ كما هو في الشمس، والانشطار النووي يحدث في كل نجم بما فيه شمسنا المتألقة منذ خمسة مليارات سنة، تستهلك في اللحظة الواحدة اربعة ملايين طن من الهيدروجين.
2 ـ يمتاز القانون بالنوعية: فالقانون الفيزيائي غير الكيمياوي، والمادي غير البيولوجي، فالمعادن تتمدد بالحرارة، والمد والجزر في بحار العالم يتأثران بحركة القمر ودورانه، والغازات تنكمش بالضغط، وتدور الأرض حول الشمس في حركة مترنحة أهليلجية، ويتم سيلان الدم في الأوعية الدموية بين التخثر والنزف في ميزان، وتفرز الهورمونات في الجسم بنسب مقدرة. إنا كل شيء خلقناه بقدر. وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر.
3 ـ تراكب القوانين: هناك سببية في حركة القوانين، والأمور آخذ بعضها برقاب بعض في سلاسل سببية، إلا أن التقاء القوانين وتراكبها يخلق أوضاعا جديدة، فارتفاع الحرارة إلى المائة يحول الماء إلى بخار، وانخفاضها إلى الصفر يقلبه إلى جليد وجماد، ويزداد حجما في تناقض استثنائي للماء، غير مفسر عقليا تماما، فالمواد تنكمش وتتقلص مع التجمد والبرودة، والماء يفعل عكس ذلك فيتمدد وينتفخ. وانخفاض النشادر إلى درجة 160 تحت الصفر يقلب الغاز إلى سائل، وهو المبدأ الذي استفيد منه في صناعة البرادات، وحفظ الخلايا في رحلة تشبه الأبدية؛ فتتجمد الحياة فيها ولا تنتهي حتى عشرة آلاف سنة، والحرارة لها قاع لا تزيد عنه برودة، وهي درجة الصفر المطلق لكالفن ومقدارها 273.15 تحت الصفر، وعندها تتوقف كل الجزيئات عن الحركة! ووضع الانشطار النووي ضمن كتلة حرجة يعرضه لانشطار صاعق، والحامض النووي في الخلية يتعرض من حين لآخر إلى ظاهرة الطفرة (MUTATION)، مما يغير من طبيعة المخلوقات.
4 ـ يمتاز القانون بالاستمرارية والثبات والتكرار: فالجراح الذي يفتح بطن المريض يشق دوما إلى اليمين لاستئصال الزائدة الدودية، واستخدام الأدوات الكهربية يتكرر بإنتاج حركات رتيبة من العصر والغسل والشفط والنظافة والتسخين، والأشياء تسقط إلى الأسفل بفعل الجاذبية، فلم نجد قطعة ثقيلة رميناها أرضا فطارت إلى الجو، ولم تكن الحياة ممكنة الاستمرار لولا اعتماد هذا الثبات في التعامل مع الوجود، وهذا الضخ الثابت للظواهر في كم متشابك معقد يسود كل قطاعات الوجود من الذرة إلى المجرة، ومن أعقد الأفكار إلى أعظم الإمبراطوريات، ومن الفيزياء الكونية إلى التاريخ، فالقانون يمسك برقبة الوجود ويتحكم في حركته. وفي القرآن أنه لن تجد لسنته تبديلا وتحويلا.
5 ـ يمتاز القانون بالقدرة الكمونية على التسخير؛ فالكهرباء حبسناها في سلك، والذرة تفجرت في أعتى قوة نووية، والمغناطيس سخر القطارات فمشت بسرعة 500 كلم في الساعة. والبخار حرك البواخر ودفع القطارات، والإلكترون يسود ساحة الفيديو والتلفزيون والفاكس وأجهزة الاستقبال، وهذا الجانب لا علاقة له بما يعتقد الإنسان أو يدين، فمن يلقي نفسه من شاهق يتكسر أو يموت، سواء كان يدين بالكثلكة أو يعتنق البوذية من مذهب زن. وعندما تجتاح الكوليرا المناطق القذرة في الهند لا تسأل ما هي ديانة الإنسان هل هو هندوسي أو من السيخ؟ شيعي أو سني؟ وجرثومة الكوليرا تستهدف الإنسان بيولوجيا، فمن هو قذر أصابته، ومن كان نظيفا عفت عنه، ولذلك انتشرت الكوليرا وتوطنت الهند، ولم نعد نسمع عنها في الدانمارك أو بريطانيا، مع أن الكوليرا فتكت بالعمال الألمان في مطلع القرن العشرين؛ فكان تدفن عام 1905 في هامبورغ ألف جثة يوميا من وباء الكوليرا، حتى تم الانتباه إلى نظافة بيوت العمال. كما أن منطقة (الرور) الصناعية لم تكن صناعية تماما من قبل؛ بل كانت منطقة متوطنة بالزحار، حتى أخذت هذا الاسم (الرور RUHR معناه الزحار والدوسنطاريا بالألمانية). كذلك فتكت الملاريا بأهل روما من قبل بفعل المستنقعات حتى تم تجفيفها، والأمراض الاجتماعية من هذا القبيل؛ فالحرب الأهلية ودعت أوربا لتتوطن في العراق وتركيا والزايير، وفي مطاع عام حبس فيروس تافه اسمه التاج 19 أهل الأرض في سجن جماعي.
مشعران للعلم: القدرة على التنبؤ والتسخير:
ويتفرع عن فكرة التسخير معنى ينبني عليها، للتأكد من أمر أنه علم، فلا يكفي الادعاء بأمر أنه علم، ما لم يخضع لمشعرين يؤكدان الطبيعة العلمية له وهما: القدرة على التنبؤ وأهم منه التسخير. ومثلا فعلم المناخ قريب من العلم لأنه توقعي إلى حد كبير، ولكنه غير يقيني، ولكن الكهرباء أصبحت يقينية بضبط قوانينها المسخرة، أما التاريخ وعلم النفس فهما لم يدخلا باب العلم تماما لأنهما لم يتسخرا بعد، ولكنهما لا يحرما من الصفة العلمية، باعتبار أن الكشف عن قوانينهما جار على قدم وساق، كما أن ضبط بعض القوانين الفرعية أمكن تطويعها والكشف عن أسرارها، ولكن المعقد حقا هو علم التاريخ، فكيف يمكن التنبؤ بأحداثه؟

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق