
مفتاح شعيب
أصبحت كلمة هيروشيما من مفردات القاموس العالمي. فبين 6 و9 غشت من عام 1945م ، وهي الأيام التي شهدت قصفها، جئتُ أنا إلى هذا العالم. وكانت ولادتي في صيف ذلك العام، حسب رواية والدتي، رحمها الله، لا وفق تسجيل رسمي. ولا أريد تصغير عمري، فقد أصبحت في نهاية الرحلة، لكن والدتي قالت إنني جئت والطبول والمدافع تضرب فرحا بالاستقلال (الذي كان شكليا، أو من أجل قيام دولة الكيان وفقا لتفسير مالك بن نبي، وهو ما تؤكده معلومات «غوغل»).
تحقق استقلال سوريا التام في 17 أبريل 1946 وهو اليوم المعروف بـ«عيد الجلاء»، حين غادر آخر جندي فرنسي الأراضي السورية، معلنا نهاية الانتداب الفرنسي الذي بدأ عام 1920، وفيها ضربت مدينتا هيروشيما وناغازاكي بالسلاح الذري للمرة الأولى في تاريخ الجنس البشري، ولعلها الأخيرة، ما لم يتورط البشر بحماقة غير محسوبة. وهو أمر غير مستبعد فالجنس البشري أحمق من أشعب وهبنقة معا؛ والعقل العلمي مفتوح على كل الاحتمالات، ومنها اندلاع حرب ذرية، فليس هناك شيء مستحيل. ولو حدث هذا فلن ينتهي الجنس البشري، بل سيموت أربعة أخماسه، أو أكثريته الساحقة، وتخرج البقايا من الرماد والأنقاض، فيتابع الرحلة كما جاء في قصة عدنان ولينا (مسلسل للأطفال مثل ماوكلي). ومن جامعة ميريلاند زعم (جار البيروفيتس) أن اليابان ضربت بتسع قنابل، والافتراضات كثيرة، والشعراء يتبعوهم الغاوون، وهم في كل واد يهيمون. والخيالات المجنحة في قصص القنابل الذرية أكثر من العدد. ومنها قصة (سجناء العالم الذري) التي قرأتها وأنا طالب بكالوريا، عن قنابل ألمانية الصنع أنتجها الرايخ الثالث، ووقعت في يد الأمريكيين مع سقوط ألمانيا الهتلرية، وبها ضربت اليابان. وما أعرفه وهو أمر تتبعته كثيرا وألفت كتابا كاملا عنه بعنوان (عندما بزغت الشمس مرتين)، وعندي من المصادر الشيء الوفير، ومنها كتاب عن القصة السرية للأسلحة النووية لمؤلفه (شاك هانسن)، بعد أن دخل الملفات السرية والمستودعات الخفية ليروى الفصول الخفية من قصة السلاح النووي. وعلى حد علمي أن أكثر التخمينات في ضرب اليابان لم تزد على ثلاث، منها واحدة من نوع اليورانيوم 235 المخصب، وضربت به هيروشيما بدون تجربة، واثنتان زعمتهما مجلة «الشبيغل» الألمانية بسبب طبيعة مدينة ناغازاكي، وكانت من نوع البلوتونيوم 239 الذي جرب في صحراء (آلامو جوردو) في صبيحة يوم 16 يوليوز من عام 1945، قبل أسبوعين من صعق اليابانيين بهما. وقنبلة هيروشيما نقلت على ظهر بارجة باسم البرونوكس، وأوحي لكل الجنود أنه لا يفرط فيها ولو بحياة كل البحارة، ومن غرائب الصدف أن السفينة ضربت في طريق الرجعة بعد إفراغ المحصول، وهوت إلى القاع خلال 12 دقيقة، في الوقت الذي كان الفطر النووي يمتد فوق أرواح 150 ألفا من الجثث المحترقة في المدينة اليابانية. ومما ظهر إلى السطح أخيرا أن هتلر وصل إلى السلاح النووي، ولكن في مستوى محدود، وهناك من سجل شهادته لهذه التفجيرات. وأذاعت قناة «الديسكفري» قصة الغواصة 234 التي كانت تحمل شحنة من اليوارنيوم، وأول طائرة نفاثة إلى اليابانيين، عسى أن يتمكنوا من ضرب الأمريكيين وهم في سكرات الموت، فكانت من حصة الأمريكيين فضربوا بها اليابان وهي من عجائب وغرائب القصص النووية. وهناك من تعساء الحظ الكثير فلا تجاورهم. ومما نشرته مطابع جامعة هارفارد كتاب للبروفيسور (تسوشي هاسيغوا) من جامعة كاليفورنيا، يؤكد أن القنابل النووية لعبت دورا ثانويا في قرار اليابان بالاستسلام، وأن السبب الرئيسي وراء هذا القرار كان دخول الاتحاد السوفياتي في الحرب ضد اليابان في الثامن من غشت عام 1945، أي بعد يومين من إلقاء القنابل النووية على هيروشيما .
وأوضح الكتاب المذكور أن القيادات الحربية اليابانية كانت على استعداد للتضحية بالمدن والمدنيين، وأن الهاجس الأكبر بالنسبة إليها كان هو الجيش الأحمر، الذي كان بإمكانه الوقوف في وجه القوة العسكرية اليابانية، التي كانت تعاني من الإجهاد في هذا الوقت، سواء في اليابان أو في منشوريا. ويشير المؤلف إلى أنه ليست هناك حقائق تاريخية تدعم الاعتقاد الشائع بأن القنابل النووية هى التي أنهت الحرب، وتم التوصل إلى استنتاج مشابه في إصدار آخر للبروفيسور الياباني المعروف (هربرت بركس)، مؤلف السيرة الذاتية لـ(هيروهيتو) الإمبراطور الياباني، والتي نال عنها جائزة بولتز في الكتابة الصحفية في عام 2000م. وقبل إلقاء القنابل النووية بوقت طويل، كان الساسة الأمريكيون والبريطانيون على علم بأن إعلان الاتحاد السوفياتي الحرب على اليابان، مع إعطاء الضمانات للإمبراطور الياباني، من شأنه أن ينهي الحرب. وفي 29 أبريل عام 1945 م نصحت المخابرات الأمريكية بدخول السوفيات إلى الحرب، لأن ذلك سيجعل اليابانيين يصلون إلى قناعة بأن الاستمرار في الحرب يعني الهزيمة الساحقة، وأن الاستسلام لا يعني الهزيمة ولا إهدار الكرامة، بل إن الأمور ستسير على ما يرام.
والأمر المثير للدهشة أن الكثير من القادة الأمريكان رأوا أن القنابل النووية لم تكن ضرورية؛ وذكر إيزنهاور في العديد من المناسبات أنه لا يجب استخدام القنابل النووية ضد اليابان المهزومة بالفعل بعد الحرب.
قال إيزنهاور: لم يكن من الضروري أن نضربهم بهذه القنابل البشعة .وتشير اليوميات التي كتبها رئيس أركان الجيش في عهد الرئيس ترومان (آدم وليام ليهي) إلى أنه كان يرى بأن الحرب يمكن إنهاؤها بشروط مقبولة، في يونيو عام 1945 م، وبعد الحرب كتب (ليهي) بأن استخدام الأسلحة النووية في هيروشيما ونجازاكي لم يضف كثيرا إلى موقف الولايات المتحدة مع اليابان، لأن اليابانيين كانوا قد هُزمو بالفعل وعلى استعداد للاستسلام. فلماذا إذن ضرب اليابان؟ والجواب هو ترويع الروس وإعدادهم للاستسلام! ولكن العكس وقع؛ فقد تسابقوا مع الأمريكيين حتى الإنهاك والسقوط وتفتت الاتحاد السوفياتي، مثل قول الشاعر: إن حظي مثل طحين نثر بين شوك يوم ريح قال اجمعوه. وهذا له قصة مختلفة.
والشيء الأهم من كل ما سبق، وهذا أبعد من رؤية السياسيين الذين لا يرون في العادة أبعد من أرنبة أُنوفهم، أو أن يكذبوا ويخفوا الحقائق وهم يعلمون… الدرس الأعظم هو أن هذا السلاح قال للجميع: أيها الناس إن لم ترجعوا إلى عقولكم فسوف يمسح نسلكم من الوجود جميعا.. إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم.
نافذة:
قبل إلقاء القنابل النووية بوقت طويل كان الساسة الأمريكيون والبريطانيون على علم بأن إعلان الاتحاد السوفياتي الحرب على اليابان مع إعطاء الضمانات للإمبراطور الياباني من شأنه أن ينهي الحرب





