الرأي

«كذوب هاوس»

زينب بنموسى
«من كوكب قريب في رأس الدرب أتى بطل القهوة، يطير يطير، في الهضرة يطير عبقري الفهامة، بدون أذنين، كله فم، لا يغلق أبدا، يحلل، يهلل، يفلسف، يخربق فهاماطور، عَتَجا».. إذا كنت أنت أيضا سبق أن استمعت لأغنية هوبا سبريت حول «الفهاماطور» ولم تستطع معرفة الشخص الحقيقي الذي تصفه الكلمات، فقد تم أخيرا اكتشاف اللغز والعثور على بطل الأغنية.
لا ليس من مثقفي الفيسبوك، ولا أغنياء الأنستغرام، ولا حتى مشاهير التيكتوك، فكل هؤلاء انتهى زمنهم، وأدار الطوندوس ظهره لهم، المجد اليوم لفهاماطور وحيد، لم يأت قبله ولن يأتي بعده من ينافسه في العبقرية والفلسفة والفهامة، المجد فقط للكائن النخبوي، الذكي، الواعي، المثقف، العارف بكل شيء، الذي تفوق على الدكتور الفايد نفسه في العلم: مستعمل «كذوب هاوس».
كائن جديد/قديم، انتقل من اللهفة على الميكروطروطوار وإعطاء التصريحات في جميع المواضيع إلى صنع إذاعة (روم) خاصة به يقول فيها ما يشاء ويمرر الكلمة بعد ذلك لباقي زملائه في الحرفة/الهواية.
مستعملو «كذوب هاوس» يحترفون -كما يدل اسم التطبيق- الكذب، ويبدعون فيه، جميعهم يشغلون مناصب مهمة في شركات عالمية، أطباء، علماء ومهندسون في مجال الذكاء الاصطناعي، لا وجود لمواطن عادي عندو خديمة على قد الحال على «كذوب هاوس»، أصلا من شروط الانضمام أن تكون متألقا، أو أن تتقن الكذب لدرجة أن تصدق أنت ومن معك أنكم جميعا متألقون، وأن تكونوا من هواة الإفتاء في كل شيء الرياضة، الطب، الصحة النفسية، العلاقات الدولية، النووي، التوالد عند آكل النمل…. وأن تملك دائما «رأيا» أو «جزئية» صغيرة تريد أن تضيفها لما قاله «زميلك الأستاذ العظيم المحترم» الذي لا يعرفه أحد، وتكون طبعا كما تقول الأغنية عبارة عن فم لا يغلق أبدا.
التطبيق ببساطة هو تجسيد مصغر للمجتمع المغربي الى عطيتيه ميكروفون وخليتيه يعبر، لمرتادي المقاهي الذين يفقهون في كل شيء، لأشخاص العائلة لي كايفهمو فجميع المواضيع، لسائق التاكسي عبقري الفهامة الذي يستطيع حل جميع مشاكل المغرب، لأولئك الذين نراهم مرارا وتكرارا في فيديوهات بعض المواقع يعطون آراء غريبة، ويصرحون بجمل غير مترابطة وكلمات غير مفهومة بكل فخر.
الكثير من الفراغ وقلة ما يدار، مرفوقين بالكثير من الفهامة، والأستاذية وهاتف ذكي وانترنت رخيصة…كان لا بد أن يؤدي هذا الخليط إلى صنع تطبيق مشابه يصبح فيه الجميع بكل ديموقراطية صاحب رأي ونظرة، ومسيرا للقاءات لا معنى لها مليئة بالكذب، والتسامح معه. لأنه طبعا من المستحيل أن تصدق أن CEO شركة عالمية، ومهندس في مجال الذكاء الإلكتروني بإمكانهم أن يمضوا الساعات والأيام في غرف دردشة افتراضية، بدل أن ينشغلوا بحياتهم الحقيقية التي من المفترض أن تكون مشغولة جدا.
كمية الهضرة لي فهاد الناس، تجعلك تتساءل واش كانوا مخطوفين، سادين عليهم، ماعندهمش فالحياة الواقعية عائلة وأصدقاء يستطيعون مجاذبتهم أطراف الحديث، بدل هذا الميكروفون الافتراضي لي من نهار شدوه ما بغاو يطلقوه!
ولكن طبعا، أنا لي كاندوي عليهم، وكل من يتفقون معي، مجرد مجموعة من الغيورين، المحسادين لا نملك لا دكتوراه في النووي، ولا آراء مهمة نعبر عنها بالساعات، ولا زملاء محترمين مثلنا نمرر لهم الكلمة حين نتعب.
الحاصول، لي ما عندو حياة، يمشي يصنع ليه شي وحدة ف «كذوب هاوس»، فرأس المال هناك هو الهضرة ولا شيء غيرها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى