الرأيزاوية القراء

كرة القدم والاستعمار

صبحي حديدي

تحت عنوان «كرة القدم والتحرر من الاستعمار»، نشر موقع «ميديا بارت» الفرنسي مجموعة حلقات وقعها ميكائيل كورييا، أحد أبرز المختصين بسياسة كرة القدم.
الحلقات توقفت عند البرازيل، مبتدئا من تلك البرهة الفارقة في 29 ماي 1919 في ريو دي جانيرو، حين سجل آرثر فريدينريش هدف البرازيل ضد الأوروغواي، فمنح بلده كأس أمريكا الجنوبية في كرة القدم؛ مدشنا، مع ذلك، أبكر السجالات حول علاقات الهوية في اللعبة، لأن صاحب الهدف وصانع الفوز كان من أب ألماني وأم برازيلية سوداء البشرة. ذلك لأن كرة القدم، التي أدخلها إلى البرازيل لأول مرة، في سنة 1894، ابن مهندس سكك حديدية بريطاني؛ كانت حكرا على البرجوازية البيضاء، واستبعد بالتالي اللاعبون من أصول سوداء أو خليطة أو ما كان يُعرف باسم «الأمرو – هنود». ورغم إنجازه الفريد أمام فريق الأوروغواي، فقد خضع فريدينريش لتمييز عنصري صريح من جانب حكام المباريات البيض، دام سنوات، وتجلى بصفة خاصة في امتناع هؤلاء عن احتساب الأخطاء الواضحة والجسيمة التي كانت ترتكب ضده.
التاريخ اللاحق للتحرر البرازيلي، على مستوى اللعبة وسياستها تحديدا، قد يبدأ من تنظيم كأس العالم سنة 2014 حين انخرطت الشرائح الشعبية الفقيرة إجمالا، وجماعات الأمرو – هنود بصفة خاصة، في انتفاضة احتجاج سعت إلى إسماع الصوت وطالبت بالحقوق.
محطة كورييا الثانية هي مصر، حيث لا يبالغ كثيرا حين يستهلها بفقرة تقول إن المصري، وقبل الاستفسار عن دينه أو مهنته، إنما يُسأل أولا: أهلاوي أم زملكاوي؟ ولكن لأن اللعبة دخلت مع الاستعمار البريطاني ابتداء من سنة 1882، ومع تأسيس نادي «السكة الحديد» سنة 1903؛ فإن مصطفى كامل، المحامي والسياسي الوطني دون سواه، كان المبادر الأول إلى تأسيس فريق كرة قدم يلم شمل الشباب المصريين الذين تقصيهم السلطات البريطانية من اللعبة، وهكذا ولد النادي الأهلي في سنة 1905.
ومنذ التأسيس، وخاصة بعد أن تولى سعد زغلول رئاسة النادي في سنة 1909، تحول «الأهلي» إلى مدرسة للمقاومة ضد الاستعمار، سواء باختيار اللونين الأحمر والأبيض إحياء للعلم المصري قبل الاستعمار، أو بمقاطعة اللعب مع الفرق العسكرية البريطانية. وهنا أيضا، تواصل التاريخ السياسي للكرة خلال عقود جلاء الاستعمار، والحكومات المصرية المتعاقبة.
محطة ثالثة هي فلسطين، حيث يساجل كورييا بأن كرة القدم الفلسطينية لم تفلح في التحرر من نير الاحتلال الإسرائيلي فقط، بل حققت نجاحات باهرة على صعيد استقطاب التضامن العالمي مع القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، كما فرضت صفة تنافسية استقلالية صريحة، رغم كل ممارسات التضييق التي ابتدعتها إدارة الاحتلال. وكان تاريخ الاشتباك مع المؤسسة الصهيونية قد بدأ قبل تأسيس الكيان، في سنة 1928، حين أنشأ اليهودي يوسف يكوتييلي «رابطة كرة القدم في فلسطين»، ثم نجح في حيازة عضوية «الـفيفا»، وانخرط سريعاً في سلسلة سياسات تمييزية عنصرية ضد اللاعبين الفلسطينيين؛ سواء عن طريق فرض التحدث باللغة العبرية ومنع العربية، أو الاقتصار على اللاعبين اليهود والبريطانيين.
تباشير المقاومة المضادة سوف تلوح في سنة 1930، مع تأسيس اتحاد رياضي «عربي فلسطيني» حسب تسميته، أطلق نادي «الشباب العرب»، ثم أفسح المجال أمام ولادة عشرات الأندية في عموم فلسطين؛ لعبت دورا ملحوظا في إذكاء روح المقاومة خلال ثورة 1936. ولعل نجاح حركة مقاطعة الاحتلال الإسرائيلي، الـ»BDS»، في ثني فريق الأرجنتين الوطني عن إجراء مباراة تحضيرية ودية مع الفريق الإسرائيلي، كانت مقررة في يونيو 2018؛ صنع العلامة الأحدث على مسارات تحرر الكرة الفلسطينية من الاحتلال، وأبرز طاقاتها المقاوِمة والكفاحية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى