«لابل» «الحلال»

منذ مدة غير يسيرة تواترت حولنا صيغ «الحلال» التي يتفنن في فبركتها «عسس» أبواب الجنة المصطفين على عتبات السموات السبع. حتى خلتنا أمة فاضلة لا تبتغي غير وجه الله فضلا ولا جزاء.
في أمتي هناك بنك حلال يبادلك الفائدة بالمرابحة وتصبح الربا ربحا حلالا بتأشير من مفتيي تلفزيونات الغفران.
في أمتي هناك لباس حلال، له كل مقومات الإثارة لكنه مسدل، عورة الشعر مستورة بأغطية كـ«أسنمة البخت»، ملونة مزينة بورود وبحلي متدلية. وعورة الحسد مستورة بفساتين وتنانير متهدلة تمسح ما على الأرض من أدران لا يعلو على هفيفها سوى نقرة الكعب العالي الواشية بكل الغنج الأنثوي الذي تستره أمتار الثوب المستفيضة.
في أمتي هناك «لباس بحر» حلال، يصف الجسد كله بتضاريسه ونتوءاته لكنه يستر لون الجلد (وحتى شوائبه) فتصبح «العورة» بصيرة لغياب «الشفافية».
في أمتي هناك شواطئ حلال، تقام فيها الصلوات وأمسيات الدعوة والذكر المختلطة، ويختلط فيها المرح بالتهريج بالذكر وبالفتاوى لكنها حلال لأن كبيرة الكبائر «السباحة» لا ترتكب فيها. في أمتي هناك قمار حلال، يصير المتحصَّل عليه من اللعب حلالا لأنه «ذكاء» ويصير المقامر فجأة رياضيا متمرسا في «الرياضات» الذهنية.
في أمتي هناك جعة حلال وخمر حلال ومسكرات جمة حلال لا يمسح عنها ذنب الحرمة أكثر من إلصاق تأشيرة «بدون كحول» على قنيناتها.
في أمتي هناك عهر حلال وزنا حلال ونكاح حلال، يكفي أن يرتبط بأي شكل من الأشكال باسم الله حتى يصير جهادا وإعلاء لكلمته. في أمتي هناك لحم حلال، يكفي أن يذبح على الطريقة الشرعية وأن «لا يهل به لغير الله»، حتى وإن كان لبهائم نافقة أو مريضة طالما أنها تباع للمواطنين البسطاء.
في أمتي هناك غناء حلال، يضرب فيه الإيقاع ولا يعزف، تنقر له الدفوف ولا تنفخ فيه المزامير، يشدو فيه الفنان ولا يغني، ترتل فيه الأناشيد ولا تلحن، فن حلال لأن لازمته عادة ما تكون اسم الله أو رسوله الكريم.
في أمتي هناك رقص حلال، لا تتمايل فيه الأجساد بل تدور أو تطوف، لا تلتهي فيه الأرواح عن الذكر بل تتسامى، لا تستثار به الغرائز بل تهذب،لا يقوم على الإلهاء عن ذكر الله بل على التقرب منه.
في أمتي «شات» حلال، يتم عبر وسيط ترسل له الأمة المسلمة بياناتها ورغباتها، ويرسل له العبد المؤمن شروطه وطلباته، ويتكلف مأجورا ومشكورا بـ«تحليل» هذا الرباط الإلكتروني.
في أمتي هناك حكومة حلال، تلتحف بغطاء ديني وتشهر شعار الحكم الإسلامي، لا تصفي الفساد الذي ورثته عن سابقاتها من الحكومات، لكنها ترتع في كل المفاسد والملذات بتقنينها وإدراجها ضمن «لابل» الحلال.
في زمننا الأغبر هذا، زمن ما يوهمون به الناس من الصحوة الدينية وقومة الضمائر، أصبح «لابل» الحلال «أصلا تجاريا» رابحا في أيدي المنافقين المفسدين المرائين، يغتني به لصوص الله وقراصنته ونهابه وتجاره وترجمة لسكيزوفرينيا تنخر أمة مسكينة تأصلت لديها عقدة الذنب والخوف من العقاب كلما همت بالفرح بالحياة.

نبذة عن الكاتب

كاتبة وصحفية

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة