الرأي

متاحف الخردة ومخازن الجثث

جهاد بريكي

الألم المبرح الذي يستحوذ على بني البشر عندما يقرر أحدهم الاستغناء عن شيء أو شخص، على حد سواء، اعتاد تواجده في أيامه، هو الذي يجعل الإنسان كائنا يتقن فن التشبث، حتى بهلاكه. تتكدس داخل دواليبنا شراشيف لم نضعها فوق أجسادنا لسنوات خلت وتتزاحم داخل مطابخنا أباريق وكؤوس ومناشف لم تغادر رفوفها منذ زمن طويل، وتكاد بيوتنا أن تكون متاحف خردة، يتكوم فيها الجديد والقديم والغابر، فتكتظ الغرف والمخازن بأوراق وأكواب ودفاتر وعلب مرت عليها أعوام دون أن يحتاج إليها أحد، تختنق في ما بينها وتخنقنا معها. شعور التواجد الدائم لأشياء لا قيمة لها، بذريعة احتياجها يوما ما يمنحنا إحساسا بالأمان، أمان زائف مبني على توقعات وهمية إلا أنه مريح في وقته. نئن وسط بيوتنا وبداخل مطابخنا صامتين، يحيط بنا التشبث المرضي بكل شيء اعتدنا تواجده، عجز عن تحديد الأهم فالمهم فغير المهم انتكاسة تشل الكيان كلما فكرنا بالاستغناء. ثم نستمر متحملين اختناق سنوات من الزمن يقض فيها مضجعنا ألم الاستغناء -المؤقت- . وتكاد تكون علاقاتنا بالناس كعلاقاتنا بالأشياء. كالحب والكره والنفور والتشبث، فلا فرق بين شعور الاختناق باكتظاظ الخردة من الأشياء حولنا وتكدس الخردة من الأشخاص داخل عالمنا. نفس الروح المتكدرة والصدر العاجز عن استنشاق هواء ناعم، نفس القلق الصباحي الذي يهجم على قلبك بمجرد ما أن تفتح عينيك وتتذكر أن عالمك مزدحم، وهو نفس الطنين الذي لا يغادر أذنيك كلما فكرت في الهرب. والتشبث ببعض الناس وببعض العلاقات يكون أشبه بإنعاش جثة، تستنزف قوة ذراعيك ضاغطا على قلبها المتعفن ليستفيق فلا يزيده ذلك سوى تعفنا وتشوها، ولا تُحصِّل من وراء كل ذلك سوى الإجهاد، والتعب والإنهاك. علاقات نعلم جيدا أنها استوفت وقتها ومنفعتها والمتعة من ورائها، ولم يتبق منها سوى تكدس العتاب وانفجار اللوم. قوانا الخائرة في الاعتراف بالنهاية تمنعنا من رؤية ذلك، أو ربما نراه غير أن العمى مريح وتجاهل الألم قد يخفف الألم، فنفضل التجاهل. ونختار التمسك بالخردة والجثث، لتتعفن بين أيدينا ونتعفن معها.
عندما كنا صغارا تعلمنا أن أشياءنا جزء منا نفديه بأجسادنا الصغيرة، ويمكن أن نشن حربا ضروسا لأن طفلا استولى على مقعد اعتدنا الجلوس عليه،
كما قد نقيم الدنيا ونطلق العنان لغضبنا إذا لم نعثر على بقايا دمية تالفة. ثم ننام وأعيننا غارقة في دمعها لأن طفلة في الصف اعتدنا مرافقتها قررت تغييره. إننا نرفض رفضا تاما وقاطعا تقبل انقضاء الأجل، ونهاية القصة واستيفاء الغاية من الأشياء والأشخاص وندافع عن تشبثنا المرضي بحجج نحن أول من يدرك أنها واهية.
ربما يجب أن نحاول تقبل الموت، محاولات قد تكون كلها فاشلة، لكن سيكفينا شرف المحاولة، موت العلاقات وانتهاء صلاحية أصحابها، موت الأشياء ونهايتها، يجب أن نتعلم استخراج شهادات الوفاة وإمضائها، كما يجدر بنا التعود على ألم الاستغناء كأي ألم آخر مقدر على بني البشر من قبل نفخ أرواحهم. ثم الارتماء داخل حضن الحياة ودفئها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى