الرأي

مجرد قصة

جهاد بريكي

في البدء كانت القصة، قصة آدم وحواء مؤنسته، قصة قابيل وهابيل قتيله، قصة التائهين في أرض مصر والعائدين لأرض الميعاد. فتحت عينين صغيرتين على وجه جدتي الموشوم جبينه وذقنه تحكي لي قصة هاينة والغول، ثم قضيت مراهقتي أصغي السمع لفصاحة الأبي وهو يخبرني قصة عمر الخطاب وأم اليتامى الجائعة في غسق الليل. أمي روت لي قصصا كثيرة، كقصة زوجة فرعون، مؤمنة في عرين إله الكفر، وزوجة لوط، كافرة في بيت نبي. قصة الخضر ولي الله الذي علم موسى نبيه، وأخته البسيطة التي أنقذته وأنقذت معه بني إسرائيل ثم أعادته لحضن أمه يُسقى من لبنها وينعم بحنانها. القصة هي التي تبقى عندما يرحل البشر والحيوان، يتوارثها المؤمنون والملحدون، يتناقلها الحالمون بعودة يسوع، والمنتظرون لنفخة الصور. صادقة تارة ومحرفة أحيانا أخرى كثيرة، يحفرونها في وجدان خَلَفِهم ويأتمنون فقهاءهم وقسيسيهم ورهبانهم لنحتها على الحجر والورق والأفئدة.
قصص تختلط بعضها ببعض، تكون بداية الأولى نهاية لثانية وعقدة الثانية حلا للثالثة، وتطول القصص وتقصر ما شاء لها مؤلفها ذلك. ونحن الأبطال الصامدون دائما في مجلد قصصنا الكبيرة، وأدوار ثانوية نتهاوى شيئا فشيئا داخل قصص بعضنا البعض، ثم يسدل الستار عن كل دور في لحظة محددة، ويرفع ستار الدور الذي يليه عندما يحين الوقت المناسب.
نتشارك حكايات كثيرة وفصولا عديدة غير أن لكل قصة واحدة وحيدة، لا تشبه غيرها مهما غصت الأرض والسماء بأبناء آدم. فأنت الملاك المنقذ في قصة إحداهن والشيطان اللعين عند الأخرى. صديق هنا وعدو هناك، مودع السر ومأمن الروح عند البعض والخطر المفزع عند البعض الآخر. لا أحد يراك كما ترى أنت نفسك، فأنت مجرد دور في قصة يراك صاحبها كما يليق به وبقصته، وبنهايتها المشتهاة. تجسده بإتقان ثم يحين موعد الانسحاب، فتنسحب كشيخ وديع لا ينتظر شيئا من الزمن والناس، بينما وحدك القادر على الرؤية التامة. البطل الحصري لقصتك التي لا تكتمل فصولها سوى عندك، ولا يجف حبرها إلا عند مغادرة النفس الأخير لمواطن الروح.
نبذل الكثير ونضحي بأكثر منه، لنمتلك قصة جديرة بالاحترام، نحاول جاهدين حذف فصول منها لا تليق بمنظرنا العام، شطب الخيبات والانكسارات، ومحو لحظات الضعف وسنوات الإهمال، نحكي قصصنا متباهين بروعتها، بانتصاراتها التي تستحق الفخر، ونتجاوز الفشل الذريع كأنه ما كان. نخفي عن بعضنا البعض مجريات وتفاصيل كثيرة، خوفا أحيانا من الرفض، ورغبة أحيانا كثيرة بنيل التقدير واستحقاق التوقير. نخرج على العالم بقصة ساطعة كشمس غشت، بدايتها مشرقة ونهايتها حتما ستكون مشرقة، صعاب تنتهي بنجاح كبير، وتحديات تنتهي دائما بتألق أكبر. نحكي قصص أسلافنا الصالحين الرائعين الذين عمروا الدنيا خيرا ورفقا وسلاما، ونتباهى بتاريخنا الغاص بالأمجاد، والمتخم بالجمال والروعة، قصصهم مصدر إلهامنا الذي لا ينضب، وبلوغ مجدهم شيء يستحيل تحقيقه، نقدس قصصهم ونحولها لدستور ومرجع يستحيل الانزياح عنه. أسلافنا جميعهم صالحون ورائعون ومسالمون وانتهوا جميعهم ثوارا ومناضلين، وأئمة وأولياء. أسأل نفسي سؤالا مربكا عندما يغمرني الفخر بقصص الأولين الرائعة، ما داموا جميعا بهذا الصلاح، فيا ترى من سفك الدم واستباح الأعراض وسلب الثروات!؟ لا أعلم ، ولا أريد أن أعلم.
أستمع لقصص النساء والرجال، فأتخيلهم قصصا تمشي على أرجل، تأكل القديد وتشرب الشاي. يستهويني استفزاز الحكواتي الأخرس داخل كل شخص أصادفه، أركب سيارة الأجرة فألقي طعمي لسائقها ليتلقفه دون مقاومة، وينطلق كسهم يعرف جيدا مساره، يروي القصة التي يملكها وتملكه، من أين جاء وكيف جاء وبما يحلم. أمه المريضة وأخته التي تحرضه على الزواج لكي يستقر، وينقهر. رحلته لبلاد الفرنجة وقلة حياء بناتهم الشهيات، دموع عينيه التي لم تعرف انقطاعا منذ فقدانه لوالده إثر إصابته بسرطان لم يسمح لهم حتى بوداع يليق بأصلهم ونسبهم. أراه بطلا يحمل درعا ويخرج كل يوم لعالم مجنون ليتم فصول قصته. أترجل وقد أنهيت دوري وأسدلت ستاري.
وفاء، هي أيضا قصة تبحث عن رجل لتستحق نهاية مشرفة، جميلة بوجه طفولي لا تعرف نحوه التجاعيد طريقًا رغم أنها تجاوزت الثلاثين، سن الاكتشافات المهم، تماما كأن الأنوثة لا تعني صوتا مائعا ولا خصرا مائلا، بل سر يُكشف للمتيم الأصدق. تأتي كل أسبوع لترمم ما أفسدته أيدي ساكنة البيت وأرجلهم، تكنس البيت وتلمع الأواني وتنفض الغبار بهمة وسرور، وكأنها تفعل ذلك للمرة الأولى. تنهي الأعمال الشاقة التي يراها الرجال مجرد شخبطات أطفال لا تستحق كل هذا التذمر. وتخرج قصعتها متوسطة الحجم ثم تفرغ بداخلها كيسا من السميد دقيق الحبات، وتضيف الزيت والزبدة والملح والماء الفاتر، فألقي لها طعمي لاستخراج الروائية داخلها وأسألها، ستتزوجين قريبا، أليس كذلك!؟ تبتسم بخجل وفخر. وفاء استطاعت أن تجر حبيبها الشبقي جرا إلى بيت والدها المقعد لكي يطلب يدها التي أنهكها تلميع أواني الغرباء. فخورة بإنجازها وفرحة كطفلة تمكنت من سرقة حمرة أمها المخبأة. أفرح لفرحها الطفولي بهذا الزواج اللزج. زواج دافعه الأساسي، تقدم وفاء بالعمر. قصة وفاء أصبحت غنية بانضمام هذا العنصر إليها، فأشعر أحيانا بأنها قد تخلت عن البطولة في قصتها وتوجت هذا المعتوه الذي خانها عدد حبات السميد الذي تعجنه رغيفا شهيا، واستحوذ على جنيهاتها كلما انتهت عقاقيره المخدرة منقذا وبطلا لا تنازعه في حكمه وسلطانه أبدا. وفاء تدرك جيدا أن قصتها لن تنتهي بالشكل الذي تريده، بيت وأطفال وزوج كهل مسالم يمسد قدميها بزيت اللوز الحلو. هي تعلم أنها تقفز داخل نهر مكتظ بصخور مدببة. لكنها لا تهتم، المهم الآن أن تتزوج. أحمل رغيفا صغيرا شفافا رائعا، وأضع عليه قطرات العسل وأخبرها أنها أفضل شخص يقوم بتحضير هذا الشيء. يزداد فرحها وتلمع عيناها. وأتركها تكمل الطهي والتفكير.
قصتي أنا أيضا كقصة غيري، لا أعلم كيف ستنتهي ولا كيف ستحاك فصولها القادمة، كل الذي أعرفه أن قصتي بدأت عندما فتحت عينين صغيرتين على وجه جدتي الموشوم وسمعتها تروي لي بلطف بالغ كمدرب يهيئ لاعبه المفضل لنزال صعب قصة هاينة. هناك فهمت أني كهاينة، مجرد قصة.

إقرأ أيضاً  مرّونة
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى