مذكرات

محمد الأبيض: تفاصيل آخر لقاء مع الملك الحسن الثاني وقصة الـ50 ألف دولار

كيف انتهى ملف تزوير تمديد صلاحية الجوازات المغربية في ذلك السياق الدولي الحساس؟
+انتهى بإلقاء القبض على السيدة بعد أن تم التنسيق مع الأمن الإيطالي، وحجزت لديها في مكتبها جوازات لمهاجرين مغاربة لجؤوا إلى خدماتها. وأمر الجنرال الدليمي مدير المركز في روما بالعودة في أقل من 24 ساعة إلى المغرب عقابا له على تهاونه.

ماذا كانت آخر مهمة لك مع الجنرال الدليمي؟
+كان ملف الليبيين والجزائريين هو الأخير. وآخر زيارة له لإيطاليا كانت قبل وفاته بأشهر. بعدها وصلنا خبر وفاته في يناير سنة 1983.
توقفت بعد هذا عن العمل لصالح «لادجيد» بوفاة الجنرال، وطلبت إعفائي وغادرت عملي في السلك الدبلوماسي بالمرة.
لكن سنة 1984 جاء الملك الحسن الثاني رحمه الله في زيارة إلى روما ونُظم عشاء على شرفه حضر فيه موظفو السفارة للسلام على جلالته. وكان معه الجنرال عبد الحق القادري الذي خلف الجنرال الدليمي على رأس الجهاز.
تقدمت للسلام على جلالته، واكتشفت أنه يتذكر جيدا بعض الملفات التي كُلفنا بها، وسألني رحمه الله في زيارته إلى إيطاليا، عن الجنرال الدليمي وكيف كان يتصرف معنا في روما عندما يزورها. فأجبتُ: «إننا يا جلالة الملك كنا نشتغل معه وكان دائما يقول لنا إنه مخلص لجلالتك. ودائما كان يقول لنا إنني أحدثكم بأمر من جلالة الملك». فأجابني جلالته رحمه الله: «الله يرضي عليك». وطلب منا أن نواصل اشتغالنا مع الجنرال عبد الحق القادري رحمه الله بعد وفاة الدليمي.

ما هي آخر مهمة كُلفت بها؟
+لا أستطيع أن أخبرك للأسف. هذه المهمة بالذات تدخل في إطار السر المهني. وقد كانت بأمر مباشر من الملك الحسن الثاني، رغم أنني غادرت وقتها الوظيفة بصورة كلية. وجاءت في سياق شائك، إذ إنني كنت قد قدمت استقالتي من الوظيفة سنة 1984، والسبب أنه بعد وفاة الجنرال الدليمي تغيرت أمور كثيرة في الإدارة. طلبوا مني، في مراسلات لا زلت أتوفر عليها، أن ألتحق فورا بالرباط وتلقيت وعدا بتعييني في مكتب مدير المواصلات. فخمنت أن العرض سيكون مُريحا خصوصا بعد السنوات الطويلة التي قضيتها في الخارج. ظننت أن الوقت قد حان للعودة إلى المغرب.
لكن بعض التغيرات وقعت ولم يعد ذلك المنصب مُتاحا، فجمعت أغراضي بعد أن بعت منزلي في إيطاليا وعُدت إلى روما لأستقر في منزل في ملكية زوجتي الإيطالية. وتفرغت من جديد للتجارة والأعمال في مجال استيراد الأسماك من المغرب إلى روما.

كيف أوكلت إليك المهمة وأنت خارج الوظيفة؟
+هذا هو الواقع. فقد راسلت الإدارة جميع السفارات في أوربا للبحث في موضوع القضية إلا أنه وبعد شهر لم تتم تلبية الطلب، فاقترح الجنرال عبد الحق القادري رحمه الله على الملك الحسن الثاني أن يتم تكليفي بإحضار الوثائق المطلوبة في تلك المهمة السرية.
وفعلا اتصل بي مدير ديوان الجنرال وطلب مني أن أدخل إلى المغرب على الفور، وفعلا امتثلتُ للأمر. فأخبرني أنه يتعين عليّ أن ألجأ إلى بعض مصادري في إيطاليا لأنهم الوحيدون القادرون على التعاون معنا في هذا الموضوع.
بعد أيام أخبرتُ الجنرال أنه يتعين دفع مبلغ 200 ألف دولار نقدا للذين تعاونوا معنا فأخبرني بموافقة الإدارة. نصفها في البداية والنصف الآخر في ما بعدُ.
وبعد شهر بالضبط جئت إلى الرباط وفي يدي حقيبة للوثائق. مقفلة بنفس «بروتوكول» الحقيبة الدبلوماسية. سلمت الحقيبة الصغيرة إلى الجنرال عبد الحق القادري الذي أثنى كثيرا على مجهوداتي في رسائل كثيرة، وطلب مني أن أنتظره وذهب بضع دقائق ثم عاد إلى المكتب وأخبرني أن الإدارة سوف ترتب معي بقية الأمور. لكن بعض أعوانه، من بقايا عهد الجنرال الدليمي، كانوا يتصيدون الفرص، وامتنعوا عن صرف 50 ألف دولار متبقية.
اضطررت إلى بيع منزلي في روما لكي أسدد بقية المبلغ حتى لا أقع في مشاكل في التراب الإيطالي. وعندما علم الجنرال القادري بالموضوع أمر بصرف المبلغ المتبقي وغضب كثيرا لأن أعوانه لم يطبقوا تعليماته بالحرف.
وهكذا بقيت أنتظر إلى أن فقدت كل الأمل في الحصول على تعويضاتي ولا زلت إلى اليوم أحتفظ بمراسلات كثيرة من الإدارة بهذا الخصوص تؤكد ما أقوله. وبقي لدي ذلك الإحساس بالمرارة، رغم أن الملك الحسن الثاني كافأني ثلاث مرات بأوسمة ملكية تشجيعا لنا جميعا على المهام التي كنا نقوم بها في ظل حرب استخباراتية كبيرة لحماية المغرب من مؤامرات النظام الجزائري على عهد الهواري بومدين.

طيب كيف تُقيم كل سنوات عملك في السلك الدبلوماسي من سنة 1956 إلى 1984؟
+في الحقيقة العمل يضعك وحياتك على المحك أكثر من مرة. تحضرني مشاعر مختلطة وصور لشخصيات اشتغلت تحت إشرافها أمثل السفير أحمد السنوسي الذي كان مدرسة كبيرة في العمل الدبلوماسي حيث كان يتولى، وهو سفير، كتابة التقارير بنفسه ويضعها فوق مكتبي لإرسالها إلى الرباط، وكان يصطحبني معه إلى الاجتماعات الرسمية مع ممثلي الدول الأجنبية ولا يتأخر في تقديم المساعدة إلى موظفيه وعائلاتهم.
ودّعنا أيضا وجوها من عالم وزارة الخارجية ارتبطنا بها رغم السفريات الكثيرة والمهام المتداخلة، إلا أن أصحابها بصموا العمل الدبلوماسي في مختلف السفارات وكوّنوا أجيالا من الدبلوماسيين والقناصلة كان لهم دور كبير في الدفاع عن المغرب وقضيته الوطنية في المحافل الدولية من الاستقلال إلى اليوم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى