
يونس جنوحي
في معرض الرسالة -الرد- التي احتفظ بها السفير محمد التازي في أرشيفه الشخصي، والتي كان توصل بها من صديقه الصحافي عبد الكريم غلاب، الذي يشترك معه في تجربة قيادة صحيفة «العَلم» ورئاسة تحريرها، ولو في ظرفين مختلفين، إذ أن غلاب خلَف التازي في المنصب.. تنكشف بعض التفاصيل غير المعروفة عن قصة ميلاد مشكلة الحدود المغربية- الجزائرية وحرب الصحراء.
الرسالة كان عبد الكريم غلاب وجهها إلى صديقه ياسر هواري في نونبر 1963، بعد أن نشر هواري مقالا في صحيفة «الأسبوع العربي» يتضمن مغالطات وتحاملا على المغرب في قضية الصحراء، وهي اليوم وثيقة أرشيفية تؤرخ لكواليس غير معروفة عن تطور الموقف الجزائري بعد استقلال الجزائر.
نواصل مع آخر فقرات الرسالة:
«واستقلت الجزائر، ودخل القادة التحرريون إلى بلادهم، وبدأت أفراح المغاربة القاطنين في المناطق المغتصبة تعبر عن رأيهم في مغربيتهم، فكان جزاؤهم القتل والتشريد من الجيش المنتصر. (نفس ما حدث في الجزائر سنة 1945 حينما احتفل الجزائريون بالنصر باعتبارهم جزائريين فوجهت فرنسا المنتصرة المدافع إلى صدورهم).
ونبه المغرب القادة الجزائريين وجاء إلى الرباط السيد محمد خيضر الأمين العام للمكتب السياسي ليطمئن الحكومة بأن قضية الحدود ستحل، وأن ما حدث مبالغ فيه، وحدث من عناصر «غير مسؤولة» في الجيش.
وسكت المغرب في انتظار الكرم الجزائري، وسافر الملك الحسن الثاني إلى الجزائر باستدعاء من الرئيس بن بلة، وكان المفروض أن السفر سياسي لحل مشكلة الحدود، وعاد الملك وهو يحمل في حقيبته وعودا بأن قضية الحدود سيفتح ملفها بعد إقرار الدستور وانتخاب بن بلة رئيسا للجهورية.
وسكت المغرب في انتظار إقرار الدستور وانتخاب الرئيس. تم ذلك في شتنبر، وفي 8 أكتوبر بدأت المدافع الجزائرية تحصد أرواح المغاربة في حاسي بيضا وتينجوب، وتسرب الجيش الجزائري إلى القرية ليهدمها ويذبح الحامية المغربية وهي نائمة وقائدها في «بيجامته» ورد المغرب بالمثل بعد أن أفاق من الدهشة ونقل العتاد والجنود إلى المكان المعتدى عليه.
وحينما أبعد المغرب الإخوان الجزائريين عن الأماكن المعتدى عليها قالت الجزائر وقالت القاهرة وقال أتباعهما: المغرب هاجم… المغرب أثار قضية الحدود… المغرب كان مع الاستعمار ضد الجزائر… المعركة مذهبية… المعركة اقتصادية… وجاءت الفلسفة لتحيك من حول هذه الشعارات آراء وأفكارا وخرافات.
قضية الحدود مع الجزائر ليست ثانوية، فالمغرب العربي نحن الذين دعونا إليه، ونحن الذين أقمنا مؤتمر طنجة لبنائه ونحن الذين لا نزال نؤمن به. ولكنا يجب أن ندخل إلى هذه «المؤسسة» ونحن متحررون من كل مخلفات الاستعمار ورواسبه، يجب أن ندخله برصيدنا الكامل لا بالأجزاء المغتصبة من بلادنا، يجب أن ندخلها بحدودنا الطبيعية والتاريخية لا بالحدود التي صنعها ضباط الاحتلال الفرنسي من «فارني» و«تركي» و«ليوطي».. وغيرهم من الضباط الذين كانوا يضعون حدودا إدارية فتصبح بعد ذلك حدودا جغرافية وعسكرية.
ثم إن ما بيننا وبين الجزائر ليس قضية حدود، ولكنها قضية أراض شاسعة جدا اغتصبتها فرنسا وضمتها إلى الجزائر باعتبار أن الجزائر كانت وطنا فرنسيا فكأنها كانت تضم من أرضنا لأرض فرنسا، فلو كانت القضية قضية قرية أو بئر أو منجم لما اهتم المغرب بها».
ويختم غلاب رسالته البليغة (بعد فقرات آثرتُ الاحتفاظ بها) قائلا:
«لعلك ترى معي أن القضية ليست بسيطة، ولا هي سهلة ولا هي تافهة. وأن الفلسفة التي يصطنعها بعض الكُتاب تبتعد بالمشكلة عن الحقيقة وتدفع بالصحافة المحترمة إلى متاهات «صحراوية» لا مخرج منها..».





