
يونس جنوحي
عندما يتعلق الأمر بتأثير الحرب، بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، فإن قراءة المشهد تتطلب استعادة ماضي الاتفاقيات والزيارات الرسمية في الشرق الأوسط، وليس فقط أخبار اعتراض المُسيرات وإسقاط الطائرات التي تكون عادة بدون طيار..
الخبراء الأمريكيون يرون أن المعني الأول بالحرب هي الصين، إذ إن بيكين وطهران ترتبطان باتفاقية استثمار مهمة تعود إلى سنة 2005.
وأبرز محطة في مسار الاستثمار الصيني في إيران تعود إلى سنة 2016، عندما زار الرئيس الصيني «شي جين بينغ» إيران، ليوقع على مبادرة «الحزام والطريق» الشهيرة التي تبسط بها الصين نفوذها الاقتصادي.
ترمي الصين من وراء الاتفاق إلى جعل إيران «حجر الزاوية» في استراتيجيتها للتحكم في الشرق الأوسط، وإنشاء ممر بحري وبري نحو إفريقيا وأوروبا.
وفي سنة 2021، والعالم بالكاد يتعافى من تداعيات «كورونا»، وقعت الصين وإيران اتفاقية شراكة، تتعهد فيها بكين بإنشاء بنيات تحتية في إيران بقيمة تتجاوز 400 مليار دولار، في إطار مشروع استثماري طويل الأمد، بالإضافة إلى امتياز شراء النفط الإيراني.
وهكذا فإن الهجمات الأمريكية على إيران تهدد الصين أولا. بيكين المتضرر الأكبر من استهداف البنيات التحتية الإيرانية وتدمير المنشآت البترولية.
وما أغفلته وسائل الإعلام، التي تسلط عدساتها نحو المنطقة طيلة أسابيع متواصلة، أن الصين تخسر الآن شركاءها الذين استهدفتهم الضربات والاعتداءات الإيرانية. الصين الآن تخسر على واجهتين. تخسر عندما تضرب الولايات المتحدة الأمريكية إيران. وتخسر عندما تعتدي إيران على الدول العربية المحيطة بها وتوجه ضرباتها نحو العواصم العربية في الخليج، لأن استثمارات الصين في الدول العربية أصبحت مهددة أيضا.
لغة الأرقام لا تكذب. الصين تشرف على مشروع سككي في إيران بتكلفة 25 مليار دولار أمريكي لمد السكك الحديدية إلى ما مجموعه 25 ألف كيلومتر. وهي مسافة تفوق ضعف الطول الذي تم الاتفاق عليه سنة 2018. أي أن الصين رفعت استثماراتها في إيران بشكل صاروخي وغير مسبوق. هذا دون إغفال مشروع سككي آخر يعود إلى سنة 2011، مولته الحكومة الصينية لصالح إيران، ودفعت 13 مليار دولار لإنشاء خطط سككي بطول 5000 كيلومتر.
الشركات الصينية المملوكة للدولة -أي أن رأسمالها ومجلس إدارتها تشرف عليهما الحكومة- لم تكتف بمشاريع إنشاء القناطر والسكك والطرق والمحطات، بل استغلت العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، لتقترح على الإيرانيين مشروعا يرمي إلى إنشاء محطتين نوويتين بقدرة 1000 ميغاوات، ومفاعل للمياه في منطقة «آراك» الإيرانية. لكن، أمام العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران سنة 2018، اضطر الصينيون إلى «إبطاء» تقدم هذه المشاريع النووية.
ثم مرت الصين بعد ذلك إلى تمويل إيران لإنشاء ما يعرف بـ«المدن الذكية»، في إطار الاستثمار الصيني في ما يعرف بـ«طريق الحرير الأخضر»، والهدف منه متابعة التنمية القائمة على الابتكار والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا «النانو» وصناعة الحواسيب، بل وحتى التجارة الإلكترونية وتوفير معدات الدفع باستعمال الهواتف، وتوفير خدمة الأنترنت وتمويل انتشارها في الإدارات الإيرانية.
بعد كل هذا، يتضح جليا أن السبب وراء الحرب الأمريكية- الإيرانية، ليس تقليديا نهائيا.
والمثير أن الصين لم تتدخل نهائيا لإنهاء هذه الحرب، باستثناء إصدار البيانات المكتوبة بلغة «القلق» ومطالبة الولايات المتحدة وإسرائيل بوقف الهجمات على إيران.
اعتدنا منذ عقود على الحروب الطائفية، و«مكافحة الإرهاب» و«حماية الحدود».. وانتقلنا هكذا بدون مقدمات إلى حرب النفوذ. حرب ليست تقليدية نهائيا. تُوجه فيها الضربات من وراء الشاشات، وتُدار فيها المعارك بين قوتين ضاربتين، فوق أرض ثالثة! ويتضرر منها الجميع.





