سري للغاية

محمد الأبيض : قصة البذل الحريرية التي قُدمت هدية لعبد الفتاح فرج سنة 1973 باسم الملك

حاوره: يونس جنوحي
بأي صفة قمت بمصادرة الطرد؟
+لأنني مسؤول عن هذا الشق الأمني أيضا. لا يمكن أن أرسل للرباط أي طرد موجه لجلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله.

وكيف عرفت أنه موجه للملك الحسن الثاني وليس لشخص آخر؟
+كان مكتوبا عليه باللغة الفرنسية أنه موجه لجلالة ملك المملكة المغربية الملك الحسن الثاني. والجهة التي أرسلته دار إيطالية مرموقة في تصميم الأزياء الرجالية. وقلت إن الملك الحسن الثاني رحمه الله لو أراد اقتناء البذل لقام بالأمر بنفسه دون أن تمر عبر سفارة المغرب في روما.
وسألت بعض الموظفين وأكدوا لي أن هذا النوع من الطرود يأتي بين الفينة والأخرى، ولأن اسم الملك الحسن الثاني مكتوب عليه، فإنهم يوجهونه مباشرة للقصر الملكي. لذلك قررت فتحه لمعرفة محتواه.

هل كانت لديك صلاحية للقيام بهذا الأمر؟
+بالتأكيد. أتحمل مسؤولية الطرد، خصوصا وأنه قادم من دار لتصميم الملابس الفخمة. وبالتالي فإن ما يجب أن يكون داخله هو الملابس. عندما قمت بفتح الصندوق وجدت عددا كبيرا من القمصان والجوارب والبذل في مختلف الألوان، وكانت هذه الملابس كلها من الحرير وتحمل توقيع دار الأزياء الإيطالية. وفور اطلاعي عليها تأكدت أنها ليست موجهة للملك الحسن الثاني. أغلقت الطرد ووضعته جانبا وانتظرت أن يظهر صاحبه الحقيقي.

ماذا تقصد؟
+(يضحك) سوف يتصل. وإذا كان الطرد فعلا في ملكية الملك الحسن الثاني، فإن الديوان أيضا سيتصل وسنرسله ساعتها.
كنت أعرف، بحكم تجربتي السابقة في قسم التشريفات بوزارة الخارجية، أن الملك الحسن الثاني حتى عندما كان وليا للعهد كان يقتني ملابسه بنفسه، والأمير مولاي عبد الله أيضا كان يقوم بالأمر ذاته، ولم يكن الملك الراحل يقتني ملابسه بتلك الطريقة.
كنت في مكتبي عندما اتصلت بي كاتبة السفير وقالت لي: السفير يريدك، وذهبت عنده للمكتب. كان السفير المغربي في روما وقتها هو السيد محمد الحلو، قال لي: هل وصل طرد إلى السفارة موجه للملك الحسن الثاني؟
أجبته بنعم. وقال لي: أين هو؟ قلت له إنه في مكتب الأمانات. قال لي: لماذا لم ترسله إلى القصر الملكي؟ قلت له إنه لا يمكنني إرساله دون التأكد من أنه فعلا موجه للملك.
فهمت في ما بعدُ أن الشخص الذي أرسل الطرد قام بالاتصال بالسفير محاولا التأكيد على إرسال الطرد.
وفي الأخير اكتشفت بطريقتي أن الطرد موجه إلى مدير الكتابة الخاصة للملك الحسن الثاني، عبد الفتاح فرج.
وكانت هذه عادة الشخصيات المغضوب عليها في القصر الملكي، إذ يحاولون العودة إلى محيط الملك عن طريق شراء هدايا ثمينة للمقربين جدا من الملك.

هل كان هناك من يشتري هدايا من هذا النوع للجنرال الدليمي؟
+لا. كان الجنرال عندما يريد اقتناء البذل يأتي إلى إيطاليا وكنت أرافقه. كان يقتني ملابسه بنفسه ولا يثق بالآخرين. في المرات التي رافقته خلالها في العمل رأيت أنه كان يقتني ملابسه بنفسه. ولم يحدث أن وصل طرد بهذا النوع في اسمه رغم أنه كان مشرفا على المخابرات الخارجية التي كانت لديها أذرع بطبيعة الحال في كل سفارات المملكة بالخارج، لكن لم أر يوما من يرسل إليه الهدايا بهذه الطريقة.

دائما في هذا الإطار، كيف كانت علاقتك بالسفير المغربي في روما؟
+كان هناك تذبذب. في بعض الأحيان يتضايق السفير من العمل الذي كنت أقوم به لصالح الجنرال الدليمي، خصوصا إذا حل الجنرال بروما.
ما أقصده هو أن صراعا قويا بين الأجهزة كان قائما، وكنا نحن ضحاياه، إذ إن السفير كان يريد معرفة كل شيء. بينما تعليمات الجنرال الدليمي منذ سنة 1973 كانت إحاطة كل شيء بالسرية ووضع كل تقرير في الحقيبة الدبلوماسية السرية السوداء وإرساله إلى مكتب الجنرال.

من كان ينسق بينك وبين الجنرال في الرباط؟
+كان هناك الحاج ميلود التونزي.

الذي ذكر اسمه في قضية اختطاف المهدي بن بركة منذ 1966؟
+نعم هو شخصيا. كان اسمه الحركي هو «الشتوكي»، وكان مشرفا على عدد من الفرق السرية من عناصر المخابرات. وللأمانة فقد كان هذا الضابط دائما يقول للجنرال الدليمي إنه يجب فصل عناصر المخابرات عن مكتب السفارة، لكن لم يتم العمل بنصيحته. كان الجزائريون يضعون عملاءهم السريين في العواصم الأوربية بشكل لا يثير الانتباه إليهم. بينما كانت بعض العناصر في دول أوربية وعربية لا يُبارحون مكاتب فارغة في السفارة ويثيرون الانتباه إليهم، ويصبح أمرهم مكشوفا لدى الجميع بمن فيهم موظفو السفارة، إذ يلجؤون لمكاتب فارغة ويقضون اليوم في مطالعة الجرائد.
كان هذا خطأ كبيرا.
وفي سنة 1977، اكتشف الجنرال الدليمي أن عددا كبيرا من عناصر المخابرات كانوا يرسلون فواتير لمهام وهمية ويقضون سفريات يتنقلون خلالها بين عواصم أوربية ويبررون المصاريف بأنهم كانوا يلتقون بمصادر مهمة للمعلومات. بينما الحقيقة أنهم كانوا «مبرعين» دون أن يعودوا بأية معلومات استخباراتية. وأوقف الجنرال الدليمي كل تلك العمليات وطلب من جميع العناصر ألا يرسلوا الفواتير إلا ومعها معلومات استخباراتية تبررها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى