الرأيالرئيسية

محمد الخامس في واشنطن

يونس جنوحي

لم يكن من الصدفة أبدا أن يتزامن تاريخ زيارة وزير خارجيتنا، ناصر بوريطة، إلى واشنطن، مع تاريخ أول زيارة قام بها الملك الراحل محمد الخامس إلى الولايات المتحدة الأمريكية يوم 23 نونبر 1957. أي قبل 64 سنة بالضبط.

وكانت تلك الزيارة تاريخية لأنها الأولى من نوعها على الإطلاق منذ اعتراف المغرب باستقلال الولايات المتحدة سنة 1776. علما أن أول زيارة وفد رسمي أمريكي إلى المغرب كانت ما بين 1818 و1820.

زيارة بوريطة إلى واشنطن للتباحث مع نظيره أنتوني بلينكن حول ملف الصحراء، خصوصا بعد تعيين المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا، كانت مثمرة حسب التصريح الأخير للمتحدث الرسمي الأمريكي الذي أكد أن الولايات المتحدة تدعم المبعوث الأممي الجديد، مع تجديد الثقة في المبادرة المغربية لفض النزاع، ووصفها بالواقعية والجادة وذات مصداقية.

وهذا الكلام تكفي نقرة واحدة فقط للتأكد منه في الموقع الرسمي للحكومة الأمريكية.

ويأتي هذا التصريح الأمريكي الداعم للمغرب، تجديدا للمواقف السابقة الأمريكية حتى قبل الاعتراف الرسمي والنهائي بمغربية الصحراء، في سياق تداعي حلف الدول التي كانت تدعم الانفصال في الصحراء. إذ إن كل الدول التي كانت تدعم البوليساريو بالسلاح والعتاد، لاقت مصيرا مؤسفا حيث أتى الحراك الشعبي على رؤوس الأنظمة التي كانت توقع شيكات على بياض لزعماء البوليساريو.

عندما زار الملك الراحل محمد الخامس الولايات المتحدة سنة 1957، لم يكن الحديث عن دولة في الصحراء المغربية مطروحا. بل كان المغرب وقتها قد فتح مع الأمريكيين موضوع إخلاء القواعد العسكرية الأمريكية في المغرب، وهو ما عبرت وقتها الولايات المتحدة عن استعدادها لتلبية رغبة المغرب باعتباره بلدا مستقلا ولم يعد أبدا بلدا تابعا للحماية الفرنسية. إذ إن إنشاء القواعد الأمريكية في المغرب كان في سياق الإنزال الأمريكي سنة 1943 لمساندة فرنسا وحلفائها في الحرب العالمية الثانية.

ووقع الاتفاق بين الملك الراحل محمد الخامس والرئيس الأمريكي إيزنهاور علما أن أمريكا وقتها كانت متخوفة من التقارب بين المغرب والاتحاد السوفياتي. حيث بدأ المغرب يتزود بالطائرات المقاتلة من روسيا لتعويض الأسطول المتهالك من الطائرات التي ورثها المغرب عن فرنسا والتي يعود طراز بعضها إلى أيام الحرب العالمية الأولى. ورغم ذلك لم تمانع الولايات المتحدة في الاستجابة لرغبة الملك الراحل محمد الخامس وتم وضع خطة إخلاء القواعد مع بداية 1958 مع الإبقاء على قسم داخل القاعدة الجوية في القنيطرة بحكم الحسابات العسكرية الأمريكية في عز الحرب الباردة ضد الروس.

كانت زيارة الملك الراحل محمد الخامس إلى أمريكا أول زيارة في التاريخ يقوم بها سلطان أو ملك مغربي إلى بلاد العم سام. لذلك حظيت باهتمام الصحافة الأمريكية التي غطت الزيارة، ونقلت صور الملك وهو يتجول في وال ديزني بكاليفورنيا، ونظم له استعراض كبير في أكبر شوارع واشنطن وأماكنها العامة. ودعته جامعة جورج تاون العريقة إلى زيارتها حيث منحته درجة الدكتوراه الفخرية، ليصبح أول زعيم عربي ومسلم يحصل على هذا التشريف الأكاديمي.

وبعد شهر على تلك الزيارة، ظهر الملك الراحل محمد الخامس في منصة الأمم المتحدة وخطب باللغة العربية، حيث رافع عن الجزائريين ودعا إلى استقلال الجزائر من هناك.

سنوات بعد ذلك استقلت الجزائر فعلا، ولم يحظ أي من رؤسائها نهائيا، منذ ذلك التاريخ إلى اليوم، بأي استقبال رسمي في أقوى دولة في العالم.

بعد زيارة الملك الراحل محمد الخامس إلى أمريكا أحب المغاربة أكياس الحبوب الأمريكية وعلب الحلوى التي وزعها الجيش الأمريكي على الأطفال. وقبل هذا كله، غنّى الراحل الحسين السلاوي رائعته «الماريكان» يصف فيها أحوال جيران «لاباز» الأمريكية وهم يتعلمون نطق كلمة «أوكي» ويلوكون العلكة الأمريكية.

نحن و«الميريكان» قصة طويلة جدا، صارت بعض تفاصيلها المهمة منسية. إلى درجة أصبح دعاة الانفصال يروجون أخبارا عن تراجع أمريكا عن دعم مغربية الصحراء أو تراجعها عن الاعتراف بالخريطة المغربية كاملة غير منقوصة، وكأن المغرب والولايات المتحدة قد تعارفا البارحة فقط.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى