الرأي

مركزية «الدولة» في العلاقات الدولية

خالد الشرقاوي السموني
بات السؤال الذي يشغل اهتمام العديد من الباحثين في العلاقات الدولية في الوقت الراهن، هل يشهد العالم تحولا في بنية العلاقات الدولية بعد انتهاء جائحة كورونا؟ وهل سنشهد صعود نجم «الدولة المركزية» كفاعل رئيسي في العلاقات الدولية؟
في النصف الثاني من القرن العشرين، خصوصا بعد ظهور المنظمات الدولية وتعاظم دور الشركات عبر الوطنية، ظهر فاعلون جدد في العلاقات الدولية وتغيرت المفاهيم لدى الباحثين والمختصين في هذا المجال، حيث فقدت الدولة المهيمنة موقعها القيادي والمركزي في العلاقات الدولية، ولم تعد وحدها الفاعل الرئيسي في النظام الدولي، نتيجة ظهور هؤلاء الفاعلين الجدد كمنافسين يؤثرون في مسار العلاقات بين الدول. وهؤلاء الفاعلون ينقسمون إلى: فاعلين دوليين، ویقصد بهم المنظمات والتجمعات الدولیة والشركات عبر الوطنية، وفاعلين غير حكوميين على شكل منظمات أو هيئات تعمل داخل نطاق الدولة وتنتمي إلیها ولیست عابرة للحدود، وتؤثر في صناعة القرار على المستوى الدولي، ومن الأمثلة علیها، نذكر الأحزاب والطوائف وجماعات الضغط والجمعیات ووسائل الإعلام، وغیرها.
وعلى ضوء التحولات الدولیة التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وتداعیات العولمة، ظهرت معطیات جدیدة ساهمت في تراجع مركزیة الدولة في العلاقات الدولیة لفائدة الفاعلين الجدد وجعلت سيادتها محل تساؤل، أمام حرية التجارة الدولية والتدخل في شؤون الدول باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
لقد أدت نهایة الحرب الباردة إلى تقوية الفكر اللیبرالي، وصعود نجم الولايات المتحدة في ظل نظام القطبية الأحادية. ومن أشهر منظري هذه المدرسة فرانسیس فوكویاما، صاحب نظرية «نهایة التاریخ»، الذي تنبأ بسیادة الليبرالیة والنظام الرأسمالي وانتفاء الدولة، وبالتالي صعود دور القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني والشركات، لتأخذ جزءا مهما من وظائف الدولة. فضلا عن دخول العالم عصر العولمة، التي وظفت منظمة التجارة الدولیة «OMC»، في تنفيذ سياسات الليبرالية المتوحشة وفرضت سياسات الخوصصة وتوسيع نطاق استثمارات الشركات العابرة للقارات، مما قلص دور الدولة وسيادتها الوطنية.
هذه النظرية، التي ذهبت إلى حد تقويض سيادة الدولة ودفعها إلى الزوال، سرعان ما تبينت محدوديتها في بداية القرن الواحد والعشرين، لأن الفاعلين غير الدولتيين عجزوا عن إيجاد البدائل والحلول لبعض الأزمات التي عرفها العالم.
فبعد الأحداث الإرهابية لشتنبر 2001، لم يلجأ الأمريكيون إلى الأمم المتحدة أو المنظمات الدولية لحقوق الإنسان، كمنظمة العفو الدولية لحمايتهم من تنظيم القاعدة؛ بل نظروا إلى الحكومة الفيدرالية، إلى الدولة ذات القوة والسيادة.
وخلال الأزمة المالية العالمية سنة 2008، تدخلت الدولة بشكل كبير في الاقتصاد من حيث المراقبة والتحكم في القوانين والإجراءات البنكية أو المصرفية، وتأميم عدد من القطاعات الحيوية، ومراقبة حركة الأسواق والاستثمارات، وذلك بهدف تجاوز الأزمة، أمام محدودية دور القطاع الخاص والبنكي في إيجاد الحلول البديلة.
وفي هذا الصدد، يقول «Stephen walt»، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، في مقال له منشور بمجلة (Foreign Policy): «عندما تظهر مخاطر جديدة، ينظر البشر أولا وقبل كل شيء إلى الحكومات الوطنية للحماية. تذكرنا حالة الطوارئ الحالية، بأن الدول لا تزال الجهات الفاعلة الرئيسية في السياسة العالمية… وهكذا اليوم في جميع أنحاء العالم، يتطلع المواطنون إلى المسؤولين الحكوميين لتقديم معلومات موثوقة وصياغة استجابة فعالة».
فعلى الرغم من هيمنة الفكر الليبرالي في السياسة الدولية، والدور الكاسح لنظام العولمة على الصعيد الاقتصادي من خلال الشركات متعددة الجنسيات، لا تزال الدولة فاعلا مركزيا في العلاقات الدولية، وهذا ما يفسر عودة دور الدولة بقوة خلال أزمة كورونا، من خلال تدخلها في كثير من المجالات، واتخاذها حزمة من الإجراءات لمواجهة الوباء.
فدول العالم، في مكافحتها للجائحة، لم تلجأ إلى الأمم المتحدة ولم تنفعها منظمة الصحة العالمية، ولم تنقذها لا الشركات العابرة للقارات ولا القوى العظمى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي هي بدورها تضررت كثيرا نتيجة العدد المهول لمواطنيها المصابين بالفيروس، مما جعل الدول تعتمد بالدرجة الأولى على إمكانياتها الذاتية، والاستعانة بمصالح الصحة العمومية، وبأجهزتها في الجيش والأمن.
ولذلك، فإن مكافحة الفيروس أعادت للدولة مركزيتها في العلاقات الدولية كفاعل أساسي، باستعمال أجهزتها التقليدية وسن القوانين الزجرية التي تحد من الحريات (قوانين الطوارئ)، مما سيدفع العالم خلال الأعوام القادمة، إلى إعادة التفكير في بناء تصورات جديدة حول مستقبل النظام الدولي ونظام العولمة الاقتصادية والليبرالية «الغربية»، كما أن الدولة مطالبة بأن تعيد النظر في سياساتها العمومية وتشجيع البحث العلمي، وبناء تصور جديد لعلاقتها مع القطاع الخاص والمجتمع المدني.
إن الخطر الذي سيهدد العالم في المستقبل ليس فقط الحروب النووية والحروب السيبرانية، وإنما أيضا حرب الأوبئة غير المرئية التي سيجد العالم صعوبة كبيرة في مواجهتها، حين لم تتوفر لديه الأسلحة المضادة لها (اللقاحات والأدوية).
كما أن مواجهة خطر الأوبئة، في المستقبل، سيجعل دور الدولة يتعاظم وتدخلها يزداد في معظم الجوانب المتعلقة بتنظيم الحياة المجتمعية، والتي كانت في الكثير من الأحيان أمرا متروكا لتنظيم القطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية. وسيفرض هذا الواقع على الدولة الاعتماد أكثر على مؤسسات الجيش والأمن والصحة والبحث العلمي، وبالتالي العودة إلى دولة «القانون»، حيث ستكون الأولوية للقانون على الاقتصاد، وذلك من أجل تأمين حياة المواطنين، وضمان الحق في البقاء، ولو اقتضى ذلك إعلان حالة الطوارئ أو الاستثناء، مما قد يؤدى إلى تقليص دائرة الحقوق والحريات الفردية والجماعية.
وعلى هذه الإرهاصات الأولى، فإن كل البحوث والدراسات التي أنجزت في علم السياسة أو العلاقات الدولية، خلال الثلاثين سنة بعد نهاية الحرب الباردة، يجب أن يعاد فيها النظر. فالعالم سيشهد عودة الدولة «القومية» كفاعل مركزي في العلاقات الدولية، وبروز عنصر «السيادة الوطنية للدولة»، الذي ما فتئت العولمة تقزمه أمام الليبرالية المطلقة، وحرية التجارة الدولية، وحركية رؤوس الأموال عبر العالم واستثمارات الشركات العابرة للحدود، حيث ستصير الدولة منغلقة في حدودها، هاجسها الأول بالدرجة الأولى، حماية المواطنين من الصدمات والأزمات والكوارث القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى