حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف
الرأيالرئيسيةسياسية

مستعجلات بلا استعجال

نعيمة لحروري

 

صباح الأربعاء الماضي، وجدت نفسي أمام تجربة أولى مع المستشفى الجامعي الدولي محمد السادس بالرباط، بعد أن اضطررت لمرافقة والدتي إلى قسم المستعجلات. تجربة كنت أتصور، مثل كثيرين، أنها ستؤكد ما يروج له عن هذا الصرح الصحي الحديث: نموذج مغربي جديد في الرعاية الطبية، يجمع بين أحدث التجهيزات وأرقى معايير الاستقبال والعلاج.

الانطباع الأول كان، فعلا، في مستوى التوقعات. بناية ضخمة، فضاءات نظيفة، تجهيزات حديثة، ونظام يبدو في ظاهره منظما ومحكما. كل شيء يوحي بأننا أمام مؤسسة صحية تضاهي كبريات المستشفيات الدولية. لحظات قليلة كانت كفيلة بأن تعطي انطباعا بأن المريض المغربي بدأ أخيرا يلمس ثمار الاستثمارات الكبرى التي ضُخت في هذا القطاع.

لكن، كما يحدث كثيرا، لا تكفي الواجهة لإخفاء ما يجري في الداخل.

بعد المعاينة الأولية وطلب بعض الفحوصات، دخلنا، ومعنا عدد كبير من المرضى ومرافقيهم في مرحلة انتظار مفتوحة، بلا سقف زمني واضح، وبلا أي تواصل يذكر. ساعات طويلة مرت، ونحن ننتظر عودة الطبيب لمتابعة الحالة، دون أن يقدم لنا أحد تفسيرا مقنعا، أو حتى تقديرا تقريبيا لمدة الانتظار.

في تلك القاعة، لم يكن الانتظار مجرد تأخير عابر، بل كان حالة من الضياع الجماعي. مرضى في وضعيات مختلفة، بعضهم يتألم، وبعضهم يزداد قلقا مع مرور الوقت، ومرافقون يتنقلون بين الموظفين بحثا عن إجابة.

ذلك المشهد كان كافيا لطرح السؤال الذي يتجنب كثيرون طرحه: أين يكمن الخلل الحقيقي في منظومتنا الصحية؟

هل نحن أمام تهاون أو تراخ في أداء بعض الأطر، أم أن الأمر يتعلق بنقص في عدد الأطباء، يجعلهم غير قادرين على مواكبة حجم الحالات الوافدة على المستعجلات؟ في الحالتين معا، النتيجة واحدة: مريض ينتظر، وألم يتضاعف، وثقة تتآكل.

والمفارقة أن كل ذلك يحدث داخل مؤسسة تعد من بين الأحدث والأكثر تجهيزا في البلاد. هنا تحديدا تتجلى الإشكالية الحقيقية: لسنا أمام أزمة بنايات أو تجهيزات، بل أمام أزمة عنصر بشري وتدبير يومي للخدمة الصحية.

لقد قطعت الدولة، بلا شك، أشواطا مهمة في تحديث البنية التحتية الصحية، واستثمرت في تجهيزات متطورة، ورفعت من مستوى العرض الطبي على مستوى الشكل. لكن، في المقابل، يبدو أن الاستثمار في العنصر البشري تكوينا، وتحفيزا، وتأطيرا، لم يواكب بالوتيرة نفسها.

لا يمكن لأي منظومة صحية أن تنجح، إذا اختل التوازن بين «الآلة» و«الإنسان». أحدث الأجهزة لا تساوي شيئا، إذا لم تستعمل في الوقت المناسب، وبالكفاءة المطلوبة. وأجمل البنايات لا تعني شيئا، إذا كان المريض داخلها يشعر بالتهميش أو الإهمال.

التجربة التي عشتها ليست حالة معزولة، بل تعكس شعورا يتكرر لدى فئات واسعة من المواطنين: تحسن في الشكل، يقابله تعثر في الجوهر. وهو ما يستدعي إعادة ترتيب الأولويات، ووضع العنصر البشري في صلب أي إصلاح حقيقي للقطاع الصحي.

لأن كرامة المريض لا تقاس بحداثة الجدران، بل بسرعة الاستجابة، ووضوح التواصل، وحضور الطبيب حين تدعو الحاجة، لا بعد ساعات من الانتظار.

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى