
عدت من كندا للاستقرار في المغرب بعد أن أدركت أن القرار يرتبط بعوامل عملية أكثر من أي شيء آخر. لم أتحمل برودة مناخ أمريكا الشمالية، كما كان البعد الجغرافي لكندا وصعوبة التنقل منها إلى وجهات أخرى عاملين مهمين بالنسبة لي، خاصة أن السفر جزء أساسي من أسلوب حياتي.
كنت قد وصلت إلى كندا بعد سنوات من الإقامة في أوروبا، حيث شكل السفر نبضا ثابتا يكاد يكون عادة لا أستغني عنها. في العقد الأول من هذا القرن، ومع التحول الذي عرفه النقل الجوي المدني، أصبح الطيران أكثر ديمقراطية بفضل نموذج اقتصادي جديد فتح الباب لمئات الملايين سنويا للتنقل، عبر شركات تعتمد نوعا واحدا من الطائرات لتقليل تكاليف الصيانة، تزيد عدد المقاعد لرفع العائد، تقلص زمن التوقف في المطارات لتكثيف الرحلات، وتستخدم مطارات أقل كلفة لتنشيط حركة المسافرين. كما اعتمدت هذه الشركات أسعارا أولية منخفضة مع خدمات إضافية مدفوعة تتيح للمسافر حرية الاختيار، فلا درجات أولى ولا وجبات فاخرة، بل نموذج عملي جعل السفر أكثر سهولة. في تلك السنوات، كنت أسافر تقريبا كل نهاية أسبوع، وأتنقل بين العواصم والمدن الكبرى، السياحية وغير السياحية، فكل وجهة تعلمني شيئا جديدا.
في كندا كانت التجربة مختلفة ومفيدة. تعرفت على أسلوب عيش جديد، وتعلمت الكثير من الأمور التي احتاجت إلى استيعاب وفهم. حاولت فهم طبيعة العلاقة بين المجتمع وتاريخه وثقافته، وزرت مختلف مقاطعات البلاد. انغمست في نمط الحياة هناك، وكنت أطرح الأسئلة حول كل ما كان غامضا بالنسبة لي. تطلب مني الوقت لفهم النظام السياسي، فكندا ملكية دستورية وليست جمهورية، ورأس الدولة الرسمي هو الملك البريطاني الذي يمثله في كندا الحاكم العام. لذلك، لا يوجد رئيس في كندا، والحكومة يترأسها الوزير الأول، وهو المسؤول عن إدارة شؤون الدولة وتنفيذ السلطة التنفيذية بشكل يومي.
يحتفل الكنديون في نهاية شهر ماي ب”عيد الملكة”، وهي عطلة رسمية تكريما للملكة فيكتوريا التي حكمت المملكة المتحدة خلال القرن التاسع عشر، وساهمت في تأسيس كندا الفيدرالية، حيث وضعت أسس الدولة الحديثة والنظام الفيدرالي والعلاقة بين المقاطعات. توسع الاقتصاد والنقل والاتصال بين المقاطعات الكندية وبريطانيا، مما ساهم في تطوير البنية التحتية والعلاقات التجارية والسياسية. ترفع أعلام كندا والملكية على المباني الرسمية، ويتميز الاحتفال بالزهور والحدائق في الهواء الطلق، وبإطلاق الألعاب النارية في المدن الكبرى. ويعتبر هذا الاحتفال بداية موسم الصيف، ويعكس التراث البريطاني في كندا.
كما قرأت في الأدب والتاريخ والنظام الإداري والسياسي، وشاهدت أبرز إنتاجاتهم السينمائية والتلفزيونية، واستمتعت بموسيقاهم ومسرحهم وفنونهم الأخرى. لم أفهم يوما كيف يمكن لبعض المهاجرين أن يقضوا سنوات طويلة في بلد ما وهم يجهلون أبسط الأمور عنه. كما سافرت إلى الدول المجاورة مثل الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وجزر الكاريبي. قضيت سنتين هناك، لكنني كنت أعلم منذ البداية أنني لن أستقر بشكل دائم. لا أعتبر نفسي مهاجرا بقدر ما أنا مسافر يمنح كل تجربة وقتها الكافي ثم ينتقل إلى تجربة جديدة.
عند عودتي إلى المغرب، وجدت عناصر كنت أفتقدها، مناخا معتدلا، ومطبخا يحمل ذاكرة الطفولة، وموقعا جغرافيا يسهل التنقل نحو أوروبا ودول شمال إفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء بتكلفة ووقت أقل.
استقررت في مدينة طنجة، حيث لا تبعد إسبانيا سوى ساعة تقريبا بحرا، ويوفر مطارها الدولي رحلات داخلية ودولية متعددة، كما تربط محطة القطار المدينة بمطاري الرباط سلا والدار البيضاء. خلال هذه الفترة، أصبح إقليم الأندلس الإسباني خيارا متكررا في عطلات نهاية الأسبوع عندما لا تتوفر وجهة أخرى. لا أمانع في زيارة المكان نفسه عدة مرات؛ بل أرى أن إعادة الزيارة تمنح فرصة لاكتشاف تفاصيل جديدة في كل مرة، فالتجربة تتغير بتغير الظروف والنظرة.
وأصبح مثلث طنجة – جبل طارق – الأندلس تقليدا متكررا، ثلاث مناطق، بثلاث لغات وثلاث هويات مختلفة، وقارتان يمكن زيارتهما خلال عطلة نهاية أسبوع واحدة. هذه السلاسة في التنقل كانت أكثر ما افتقدته في كندا.





