الرئيسيةالملف التاريخيفسحة رمضان

نزيف عروس العروبة

 

 

 

هو جرح نازف حفر عميقا في نفوس ووجدان العرب والمسلمين والمسيحيين، فكان من الطبيعي أن يكون الشعراء في طليعة من يشعر بهول الفاجعة وآثار النكسة وذل السقوط، ولذلك ترجمت أشعارهم تلك الصرخات المكبوتة والآهات العميقة التي تمرمر حياة كل عربي ومسلم غيور على مقدساته وكرامته وشرفه، بل إن منهم من شحذ قوافيه لهجاء الحكام العرب وتقريعهم على صمتهم وخيانتهم لأهم ركائز القومية العربية والإنسانية، ممثلة في فلسطين ومدينتها المطهرة: القدس الشريف. ويبقى الشاعر العراقي مظفر النواب أبرز شاعر مزق سجوف الصمت ليعري حقيقة المتورطين، يقول في قصيدته الشهيرة «القدس عروس عروبتكم»:

«القدس عروس عروبتكم/ فلماذا/ أدخلتم كل زناة الليل حجرتها/ ووقفتم تسترقون السمع وراء الأبواب/ لصرخات بكارتها/ وسحبتم ككل خناجركم وتنافختم شرفا/ وصرختم فيها أن تسكت/ صونا للعرض/ فما أشرفكم… هل تسكت مغتصبة/…/ لست خجولا حين أصارحكم بحقيقتكم/ إن حظيرة خنزير أطهر من أطهركم/ تتحرك دكة غسل الموتى/ أما أنتم لا تهتز لكم قصبة […]».

 

نكبة 1967

من قال إن الشعر ليس نبوءة، ومن قال إن الشعر ليس خذينا للحقيقة، ومن قال إن الشعر يفقد راهنيته، فلينصت لهذا المقطع:

من باع فلسطين وأثرى بالله

سوى قائمة الشحاذين على عتبات الحكام

ومائدة الدول الكبرى؟

[…]

من باع فلسطين سوى الثوار الكتبة؟

[…]

أقسمت بتاريخ الجوع ويوم السغبة

لن يبقى عربي واحد إن بقيت حالتنا هذي الحالة بين حكومات الكسبة.

 لم تكن نكبة 1967م مجرد هزيمة عسكرية للجيوش العربية، وإنما شكلت زلزالا عنيفا مس الكيان العربي من المحيط إلى الخليج، فكانت له ارتدادات وتداعيات خطيرة على جميع الأصعدة السياسية، الاجتماعية، الثقافية وحتى النفسية. لقد تجرع الجميع مرارة هذه النكسة، التي مثلت شرخا أليما في وجدان الأمة العربية الإسلامية، ومن وقتها أضحت القضية الفلسطينية قضية قومية، هبت للدفاع عنها الملايين، فاستشهد من استشهد، واغتيل من اغتيل، وسُجن من سجن، وهُجر من هجر… وما زال أتون الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين مستمرا.

وبالرغم من مكر السياسة ومسلسل الإخفاقات والخيانات والخيبات، ما زال الفلسطيني «صامدا» ومرابطا في ما تبقى له من أرض، سلاحه إيمانه بعدالة قضيته، وعُدته حلم وحجر…

 

القدس في المخيلة المغربية

لا شك أن علاقة المغاربة بفلسطين ممتدة في التاريخ، وهذه العلاقة يؤكدها بحسب الأستاذ والشاعر محمد علي الرباوي «حضور القدس في المخيلة المغربية وفي العقيدة الدينية أيضا، حيث كان الحاج المغربي لا يتصور أن حجه مقبول إلا إذا خلل وقدس، أي إذا زار الخليل والقدس»، وكنا قد ألمحنا سابقا إلى أن القدس حظيت بزيارة الفقهاء والرحالة والجغرافيين المغاربة نظير المعافري وابن بطوطة والإدريسي. وقد تنامى اهتمام المغاربة بقضية فلسطين إبان عهد الحركة الوطنية، التي شكلت خلية لمتابعة مجريات الأحداث بفلسطين.

لقد كان من الطبيعي أن يواكب الشعراء المغاربة الحدث الفلسطيني، خاصة بعد نكبة 1967م التي حفرت عميقا في نفوسهم وأحدثت أخاديد للألم والانكسار، وبذا صارت فلسطين والقدس بخاصة تيمة مركزية وركنا ركينا في المنجز الشعري المغربي، تزينان صدور الدواوين، وتستنفران الهمم في الأمسيات والمهرجانات.

غلالة الحزن والأسى التي غلفت القصيد بالمشرق هي نفسها التي سكنت القصيد بالمغرب، فغذا الإحساس بالهزيمة والسقوط علامة فارقة في شعر المغاربة، ويبقى أحمد المجاطي من أبرز الأصوات الشعرية التي صدحت بذلك الشجى والشجن الذي استوطن النفوس وطوح بالآمال في أراضي اليأس والخيبة والانكسار، يظهر ذلك خاصة في قصيدته المسماة: «القدس» والتي نشرها في نفس سنة النكبة 1967م. هو ذا يعزف مثل مجايليه من شعراء المشرق على نغمة الحزن والحداد الناجمين عن هذا السقوط المدوي، الذي ضرب أرض العرب من النهر إلى البحر، يقول المجاطي:

رأيتك تدفنين الريح / تحت عرائس العتمة

وتلتحفين صمتك / خلف أعمدة الشبابيك

تصبين القبور / وتشربين / فتظمأ الأحقاب

ظمئنا / والردى فيك / فأين نموت يا عمة

مددت إليك فجرا من حنيني للردى.

لم يجد الشاعر سوى معجم «اليباب» و«السقوط» لينحت منه مفرداته، التي تنبعث منها رائحة الموت: تدفنين/ العتمة/ الصمت/ القبور/ فتظمأ/ الردى/ نموت…

إنها صورة قاتمة تنبئ عن مأساة ترقد بين حنايا الشاعر، ليس الشاعر وحدهُ بل بين حنايا كل إنسان عربي، وهذه المأساة تقتل كل نأمة للحياة وتجعل الشاعر يحن إلى الموت: «مددت إليك فجرا من حنين للردى»، ويفقد كل أمل في الحياة والانبعاث من جديد، لكنه وفي غمرة هذا الضياع والأسى العميق لا يتورع عن توجيه سهام نقده وشجبه لهذا الصمت الذي ران على دهاقنة السياسة العربية، الذين كانوا السبب في هذا السقوط:

جئت إليك مدفونا/ أنوء بضحكة القرصان

وبؤس الفجر في وهران

وصمت الرب أبحر في خرائب مكة/ أو طور سنينا

فأية غشوة نبضت بقلبي/ في دم الصحراء/ وأي رجاء.

لا تباشير للفجر في هذا الوطن الشاسع الممتد من وهران إلى مكة، تلك هي الخلاصة التي انتهى إليها الشاعر، في ظل واقع تشرب طعم الهزيمة ولم يترك ولو كوة للرجاء ولا نسمة للأمل. هكذا يستسلم الشاعر لقدره الجنائزي، يعيش غربته ووحدته، فلا يد من العلياء تحنو عليه، والقدس حبيبته أصبح دونها خرط القتاد، بل أصبحت هي والموت صنوان:

أيا باب إلى الله ارتمى/ من أين أتيك

وأنت الموت، أنت الموت/ أنت المبتغى.

تأسيسا على ما سبق يتضح أن صورة القدس في قصيدة المجاطي «الستينية» اتشحت بالسواد، وفتحت بابا لتراجيديا ماحقة عكست قتامة الواقع العربي المتهرئ، ذلك الواقع الذي تكسرت على صخرته كل الآمال والأحلام.

لكن الجيل «السبعيني» من شعراء المغرب، سرعان ما تحلل من سطوة هذه النظرة التشاؤمية ليغازل الأمل والحلم من جديد، ويثبت أن هذه الأمة ليست عاقرا، يقول عبد الله راجع في «الهجرة إلى المدن السفلى»:

أنا الباقي، أتناسل حتى في الموت، أطالعكم

في شخص ابني وابن أخي وحفيدي وبنات الجيران

كل الموتى في وطني ينسحبون من الأكفان

ويعودون إلى القدس على صهوات الريح

ولهذا تفزعكم أشكال الجدران/ وظلال الشجر الممتد على طول الوديان.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق