الرأي

نموذج الغرب الحديث

حسن حنفي

مر الغرب بثلاث مراحل، قديمة ووسطى وحديثة، أي اليونانية الرومانية، واليهودية المسيحية، ثم أوروبا ذاتها مسترجعة تاريخها القديم. وهي نفس المكونات البنيوية ومصادر تكوين الوعي الأوروبي: المصدر اليوناني الروماني، والمصدر اليهودي المسيحي، والبيئة الأوروبية ذاتها بأساطيرها القديمة وثقافاتها الشعبية.
في المرحلة اليونانية الرومانية كانت هناك عقدة التفوق اليوناني والتقابل بين اليوناني والبربري. كان حلم الإسكندر تكوين إمبراطورية تجمع بين الغرب والشرق، من اليونان الحديث حتى الشرق القديم. وانتشرت الثقافة اليونانية في مصر والشام، وأصبحت اللغة اليونانية لغة الحاكمين وليست لغة المحكومين. وكانت تصطدم بقوى أخرى في الشرق مثل فارس على زعامة العالم القديم. كان هناك تناقض ثانوي بين أثينا وإسبرطة، بين العقل والساعد، بين الثقافة والحرب، بين القلم والسيف. كان تناقضا فرعيا تجاوزه الإسكندر بتوحيد بلاد اليونان في مواجهة البرابرة.
واستأنف الرومان ما بدأه اليونان. وكان التوسع أكثر نحو الغرب في حوض البحر الأبيض المتوسط شمالا وجنوبا. كانت اللغة اللاتينية لغة المحتلين. وظلت الثقافات الوطنية في الشاطئ الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط باقية. وورثت المسيحية الرومانية المسيحيةَ اليونانية ونشرتها في شمال أوروبا مع اللغة اللاتينية، بعد أن تحولت روما من عاصمة للإمبراطورية الرومانية إلى عاصمة للإمبراطورية المسيحية، بعد تحول قسطنطين في القرن الرابع الميلادي.
ولما انتشر الإسلام على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وأسس حضارة جديدة ورثت الحضارة اليونانية الرومانية والحضارة اليهودية المسيحية، ودخلت المستعمرات الرومانية في آسيا وإفريقيا في الإسلام، وساهمت في تكوين حضارته، بدأ «صراع» الغرب والشرق في العصر الوسيط، وظهرت الحملات الصليبية المتتالية التي لم تحقق أهدافها النهائية، بل تسببت في صدمة حضارية للأوروبيين عندما أدركوا مدى تقدم المسلمين ثقافة وعلما وفنا وصناعة وعمرانا وحربا. وكان ذلك أحد مصادر النهضة الأوروبية الحديثة، إذ بدأت الترجمات من العربية إلى اللاتينية مباشرة، أو عبر العبرية في طليطلة وفي صقلية وفي بادو، ثم عبر القسطنطينية في ما بعد.
وبعد سقوط غرناطة بعامين، وبفضل الخرائط الجغرافية التي تركها العرب في الأندلس تم الالتفاف حول العالم من الغرب، بعد أن فشل الدخول إليه من الشرق، واللحاق بالهند من الغرب، فجاء اكتشاف القارة الأمريكية. وبدأ النزوح إلى الأراضي الجديدة غربا وشمالا وجنوبا. وتم القضاء على السكان الأصليين، عرقا وثقافة، وتم وضع بعضهم في محميات فولكلورية لسينما هوليوود وللسياحة الأجنبية!
ولبناء «العالم الجديد» تم التوجه نحو إفريقيا بالالتفاف نحو البحار جنوبا، وصولا إلى الهند شرقا عن طريق «رأس الرجاء الصالح»، لتكون بداية استعمار الأوروبي الأبيض للإفريقي الأسود. وحدث أكبر نزْح للسكان من إفريقيا إلى أمريكا، لتشييد الطرق وزراعة الأرض وتعمير القارة الجديدة.. من ساحل إفريقيا الغربي إلى ساحلها الجنوبي. وقامت حرب أهلية في أمريكا بعد استقلالها، بين الشمال والجنوب، حول تحرير العبيد. وما زال الاضطهاد قائما حتى بعد إعلان «وثيقة الحقوق»، والتعليم المختلط، والتوظيف المشترك. وبالرغم من تاريخ إفريقيا العريق (مملكة مالي، ومملكة غانا.. إلخ)، إلا أن ثقافتها قد تم اقتضابها في الرقص والتماثيل وطبول الإيقاع. ودخلت ثقافة الرجل الأبيض فيها لتحل محل ثقافاتها التقليدية.. حتى حركات التحرر الإفريقية الحديثة والعودة المطالبة بالعودة إلى «الزنوجة»، ظلت تستلهم نموذج الغرب الحديث!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى