الافتتاحية

هزموا أنفسهم بأنفسهم

ما زالت أجواء الصدمة السياسية ونفسية الارتباك تسيطران على قطاع ليس بالقليل من قيادات وقواعد حزب العدالة والتنمية، كأحد تداعيات الانتكاسة الانتخابية للثامن من شتنبر الجاري. وبدا أن لا شيء يتردد أول أمس داخل المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية سوى مقولة أن «نتائج الانتخابات غير مفهومة ولا تعكس الخريطة السياسية ولا الوزن السياسي للحزب». ولم يجرؤ صقور وحمائم الحزب على الطعن السياسي في الاستحقاقات، ليس خوفا أو رهبة بل لأنهم لا يتوفرون على أي حجة أو دليل يدينان شفافية انتخابات أجمع الفاعلون على سلامتها وصدقية نتائجها، ثم متى كان على الانتخابات أن تعكس الوزن السياسي للأحزاب؟ ولو كان الأمر كذلك لكان حزب التقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي والاتحاد الوطني للقوات الشعبية الأحق بالصدارة نظرا لأوزانهم التاريخية والرمزية والسياسية.
المؤكد أن قادة حزب العدالة والتنمية يدركون أن المزاج الانتخابي في ذلك اليوم، كان قاسيا تجاههم وعنيفا ضدهم وعدوانيا تجاه قراراتهم، ويدركون أيضا أنهم هزموا أنفسهم بأنفسهم بسبب الاحتراب الداخلي الذي لم يتوقف منذ خمس سنوات، والذي انتهى برفض الطبقة الوسطى والفقيرة والغنية والقاعدة الانتخابية المستقرة للحزب وأذرعه الدعوية والتنظيمات الدينية المقربة منه التصويت على الحزب بسبب مواقفه وقراراته وسياساته التي أساءت للجميع بدون استثناء.
لكن حزب العدالة والتنمية لا يريد التسليم بكون هزيمة العثماني بحي المحيط ونائبه بتمارة ورئيس المجلس الوطني بفاس وعمداء المدن والوزراء والبرلمانيين السابقين وأعضاء الأمانة العامة، مستحقة وعادلة وتحصيل حاصل لسوء التدبير والتقدير، فدخل في حالة من نكران الواقع وإطلاق العنان للتلميحات الخطابية التي تحاول التخفيف من هول الصدمة وجعل الانتكاسة الانتخابية بفعل تدبير الأغيار ومخططاتهم الجهنمية ودسائسهم المخدومة.
وهذا الأمر يزيد من متاعب حزب الإسلاميين ولا يساعدهم على قراءة الواقع السياسي بمتغيراته الجديدة ورسائله القوية، ويحرمهم فضيلة إجراء وقفة تأملية في مسار تجربتهم في السلطة، لأنهم يحاولون تفسير ما جرى بمنطق المؤامرة والضحية، وهذا المنطق سيؤدي لا محالة إلى فقدان حزب العدالة والتنمية للبوصلة وغياب الرؤية التي ستزيد من حجم المشكلات الداخلية وتغذي دائرة الاشتباكات والانقسامات، وهذا النفق المظلم سيقود حتما إلى ما قاد إليه أحزابا أخرى كانت أشد قوة وجرأة ونفوذا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى