أهم مستجدات مشروع قانون المالية لسنة 2026
380 مليار درهم للاستثمار العمومي و140 مليارا للتعليم والصحة

قدمت وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح، يوم الاثنين الماضي، أمام جلسة عمومية مشتركة لمجلسي البرلمان، الخطوط العريضة لمشروع قانون المالية رقم 25-50 للسنة المالية 2026، مؤكدة أن هذا المشروع يجسد التزام الحكومة بتنزيل الرؤية الملكية لمغرب صاعد، قائم على العدالة الاجتماعية والتنمية المجالية المتوازنة. وقالت الوزيرة إن المشروع يندرج في إطار المشروع الملكي الكبير “للمغرب الصاعد”، الذي رسم معالمه الملك محمد السادس، ويهدف إلى بناء تنمية وطنية شاملة تُحقق الإنصاف والكرامة لكل المواطنين، وتُعزز مكانة المملكة ضمن الاقتصادات الصاعدة.
أربع أولويات استراتيجية
يرتكز مشروع قانون المالية لسنة 2026 على أربع أولويات كبرى: توطيد المكتسبات الاقتصادية لتعزيز مكانة المغرب بين الدول الصاعدة؛ إطلاق الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة؛ مواصلة ترسيخ الدولة الاجتماعية؛ والحفاظ على توازنات المالية العمومية ومتابعة الإصلاحات الهيكلية الكبرى. وأكدت فتاح أن هذه التوجهات تعكس طموح الحكومة لتسريع وتيرة الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، مع الحفاظ على الاستدامة المالية.
استثمار عمومي غير مسبوق بقيمة 380 مليار درهم
ويتوخى مشروع القانون تسريع تنفيذ الأوراش المهيكلة والاستراتيجيات القطاعية عبر غلاف استثماري إجمالي يبلغ 380 مليار درهم، سيتم توجيهه أساسًا إلى تمويل مشاريع البنيات التحتية الكبرى والنقل واللوجستيك والماء والطاقة. وسيتوزع هذا المجهود المالي بين: المؤسسات والمقاولات العمومية (179,7 مليار درهم)، الميزانية العامة والحسابات الخصوصية للخزينة (132,8 مليار درهم)، صندوق محمد السادس للاستثمار (45 مليار درهم)، الجماعات الترابية (22,5 مليار درهم). وستخصص البرامج الاستثمارية للمؤسسات العمومية أساسًا لقطاعات الطاقة، الاتصالات، الفلاحة، السكن، النقل الجوي والبحري والسككي، والماء والكهرباء، بينما ستركز الجماعات الترابية على تحسين ظروف عيش المواطنين وتوسيع شبكات التطهير والطرق والبنيات الثقافية والرياضية.
تنمية مجالية متكاملة
أكدت وزيرة المالية أن الحكومة ستطلق خلال سنة 2026 البرنامج الوطني للتنمية المندمجة للمراكز القروية الناشئة، الذي يستهدف 36 مركزًا قرويًا بكلفة إجمالية تناهز 2.8 مليار درهم، في إطار تنزيل الجهوية المتقدمة كخيار استراتيجي. كما ستحظى البنيات التحتية للنقل بأولوية كبرى، من خلال تسريع توسعة المطارات وتعزيز أسطول الطيران الوطني، وإنهاء أشغال ميناء الناظور غرب المتوسط وتسريع تنفيذ مشروع ميناء الداخلة الأطلسي، إلى جانب توسيع شبكة الطرق السيارة والسكك الحديدية.
140 مليار درهم للتعليم والصحة
في الجانب الاجتماعي، سيبلغ الغلاف المالي المخصص لقطاعي الصحة والتعليم نحو 140 مليار درهم، بزيادة 21 مليار درهم مقارنة بسنة 2025، مع إحداث أكثر من 27 ألف منصب مالي لدعم الموارد البشرية في القطاعين. وفي الصحة، ستعمل الحكومة على سد الخصاص في التجهيزات والبنيات من خلال دخول المركزين الاستشفائيين الجامعيين بأكادير والعيون إلى الخدمة سنة 2026، وتسريع بناء المركز الاستشفائي ابن سينا بالرباط، ومواصلة إنجاز مراكز جامعية جديدة في بني ملال وكلميم والرشيدية. أما في التعليم، فسيتم التركيز على تعميم التعليم الأولي وتحسين جودة التكوين عبر توسيع مدارس الريادة لتعميمها كليًا في أفق 2027-2028، واستكمال الإصلاح البيداغوجي الشامل للجامعة المغربية.
في التفاصيل أوضحت فتاح أن الحكومة خصصت ميزانية إجمالية تناهز 42.4 مليار درهم لقطاع الصحة، برسم مشروع قانون المالية لسنة 2026، وهو ما يمثل زيادة تقدر بحوالي 10 ملايير درهم. إضافة إلى إحداث 8000 منصب مالي القائدة القطاع، بزيادة 1500 منصب مقارنة بسنة 2025. وفي إطار الدينامية ذاتها التي تم إطلاقها، كشفت الوزيرة أن الحكومة ستعمل على إيلاء عناية خاصة لتقوية الخدمات الاجتماعية الأساسية من خلال الحرص على الارتقاء أيضا بالتعليم، لا لكونه من الحقوق الأساسية وحسب، بل باعتباره مدخلا أساسيا لتأهيل الرأسمال البشري المنتج والمؤهل للانخراط بشكل فعال في المسار التنموي للبلاد.
وفي هذا الإطار، تضيف فتاح، ستعمل الحكومة، خلال سنة 2026، على التسريع بتعميم التعليم الأولي، عبر إحداث ما يقارب 4800 قسم جديد برسم الدخول المدرسي 2026-2027، ليبلغ عددها الإجمالي ما يناهز 40.000 قسم، وليتجاوز بذلك العدد المتوقع للمستفيدين من التعليم الأولي مليون تلميذ وتلميذة. وستواصل الحكومة، كذلك، تحسين جودة التكوين عبر توسيع مدارس الريادة لتشمل 6626 مدرسة ابتدائية و1286 إعدادية خلال الموسم الدراسي 2026-2027 في أفق تعميمها الكلي خلال الفترة 2027-2028. هذا بالإضافة إلى تعزيز العرض المدرسي من خلال افتتاح 170 مؤسسة تعليمية جديدة، برسم الدخول المدرسي 2026-2027، وإطلاق أشغال بناء 193 مؤسسة تعليمية برسم سنة 2026، وذلك بالموازاة مع تعزيز خدمات دعم التمدرس عبر تحسين ظروف الإيواء والإطعام على مستوى الداخليات ومؤسسات دار الطالبة، وكذا توسيع النقل المدرسي لفائدة 730.000 تلميذ وتلميذة في أفق سنة 2027.
توطيد الدولة الاجتماعية وتعميم الحماية الصحية
يمثل تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض (أمو) أحد أعمدة مشروع قانون المالية، حيث مكن من تغطية أزيد من 32 مليون مستفيد سنة 2025، أي ما يعادل 88 في المائة من السكان، مقارنة بـ42 في المائة فقط قبل التعميم. وتتحمل الدولة اشتراكات نحو 11 مليون مواطن من الفئات الهشة، بقيمة 10.5 مليارات درهم برسم سنة 2026، في إطار نظام “أمو تضامن”. كما ستواصل الحكومة جهودها لتوحيد أنظمة التأمين الصحي وتحديث حكامتها، عبر نقل تدبير نظام القطاع العام إلى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بدلًا من الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي، مع مراجعة التعريفة الوطنية المرجعية وإقرار البروتوكولات العلاجية الإلزامية.
استقرار الأسعار ودعم القدرة الشرائية
أكدت فتاح أن الحكومة ستواصل دعم القدرة الشرائية للمواطنين وضمان استقرار أسعار المواد الأساسية من خلال تخصيص 14 مليار درهم لصندوق المقاصة، مع استمرار برنامج الدعم المباشر للسكن الرئيسي الذي استفادت منه أكثر من 68 ألف أسرة منذ إطلاقه سنة 2024، بقيمة إجمالية تفوق 5.6 مليارات درهم. وسيشهد عام 2026 الإطلاق الفعلي لمنظومة الدعم الجديدة للمقاولات الصغيرة جدًا والصغرى والمتوسطة، عقب صدور المرسوم التطبيقي رقم 2.25.342. وسيتم تنفيذ الآلية عبر مراحل تشمل طلبات المشاريع، دراسة ملفات الاستثمار، توقيع الاتفاقيات، وصرف المنح التي يمكن أن تصل إلى 30 في المائة من قيمة الاستثمار. وستواكب هذه المنظومة الوكالة الوطنية للنهوض بالمقاولات الصغرى والمتوسطة، مع اعتماد حكامة جهوية عبر المراكز الجهوية للاستثمار لتسريع الإجراءات.
توقعات اقتصادية متفائلة
يتوقع التقرير الاقتصادي والمالي المرفق بالمشروع أن يبلغ معدل نمو الاقتصاد الوطني 4.6 في المائة سنة 2026، مدعومًا بمحصول حبوب يقدر بـ 70 مليون قنطار، وارتفاع القيمة المضافة للقطاع الفلاحي بـ7.9 في المائة، واستمرار دينامية القطاعات الصناعية والخدماتية. ومن المنتظر أن يبلغ نمو الناتج الداخلي الخام غير الفلاحي 4.3 في المائة؛ ارتفاع الاستهلاك الأسري بنسبة 3.7 في المائة؛ نمو الاستثمار الإجمالي بـ6.6 في المائة؛ و من المتوقع أن تصل الصادرات إلى زيادة قدرها 8.2 في المائة، مدعومة بقطاعات السيارات والطيران والإلكترونيات. أما العجز المالي، فيتوقع أن ينخفض إلى 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، مقابل 3.5 في المائة في 2025، بفضل ترشيد النفقات وتعزيز تعبئة الموارد.
تدابير جبائية جديدة لتحفيز الاقتصاد الوطني
يقترح مشروع قانون المالية لسنة 2026 حزمة من الإجراءات الضريبية والجمركية الرامية إلى تعزيز تعبئة الموارد، وتحفيز الاستثمار، ودعم العدالة الجبائية، ضمن مقاربة شاملة ترتكز على أربعة محاور رئيسية.
ويتجلى المحور الأول في إدماج القطاع غير المهيكل، حيث يولي المشروع أهمية خاصة لإدماج الأنشطة غير المهيكلة في الدورة الاقتصادية المنظمة، عبر مجموعة من التدابير التي تهدف إلى توسيع الوعاء الضريبي وضمان العدالة بين الملزمين. فمن أبرز هذه الإجراءات، توسيع نطاق الحجز في المنبع بالنسبة للضرائب على الشركات وعلى الدخل، بما يعزز من فعالية التحصيل ويقلل من حالات التملص الضريبي.
كما ينص المشروع على فرض واجب تسجيل إضافي بنسبة 2 في المائة على العقود العقارية والتجارية غير الموثقة إلكترونيًا، في خطوة تروم تشجيع رقمنة المعاملات القانونية والمالية. وفي الاتجاه نفسه، سيتم إلزام منشآت الصناعة التحويلية باعتماد آلية التصفية الذاتية للضريبة على القيمة المضافة، ما سيساهم في تبسيط مساطر الأداء وضمان شفافية أكبر في سلاسل الإنتاج.
ويتعلق المحور الثاني بتحسين تنافسية المقاولات، حيث يهدف المشروع إلى تعزيز جاذبية الاستثمار ودعم تنافسية النسيج الاقتصادي الوطني، من خلال إجراءات ضريبية محفزة. فقد تقرر إعفاء المواد المخصبة ودعائم النباتات من الضريبة على القيمة المضافة، بهدف تخفيف كلفة الإنتاج الزراعي وتشجيع سلاسل القيمة الفلاحية. كما سيتم منح تحفيزات ضريبية مهمة للشركات الرياضية، تشمل إعفاءات تمتد لخمس سنوات، إلى جانب خصومات تصل إلى 90 في المائة على مداخيل الرياضيين والمدربين خلال سنة 2026، في إطار مقاربة تروم دعم الاقتصاد الرياضي الناشئ بالمغرب. إلى جانب ذلك، سيستفيد القطاع المالي من معدلات ضريبية تفضيلية للمؤسسات المالية الصغيرة، في خطوة تروم تعزيز الشمول المالي وتسهيل ولوج المقاولات الصغرى والمتوسطة إلى التمويل.
أما المحور الثالث فيتجلى في تبسيط النظام الجبائي، وفي هذا الصدد، يسعى المشروع إلى مواصلة ورش تبسيط ورقمنة النظام الضريبي من خلال تحديث المساطر وتحيين القواعد المتعلقة بالتمبر والتسجيل والمحاسبة الإلكترونية، بما يضمن فعالية الإدارة الجبائية وتقليص آجال المعالجة. كما ينص على ملاءمة النظام الضريبي للمقاولات التي تواجه صعوبات مالية، من أجل تمكينها من تجاوز الإكراهات المرحلية والحفاظ على استمرارية نشاطها الاقتصادي.
ويتعلق المحور الرابع بتعزيز التضامن الاجتماعي، من خلال ترسيخ العدالة الاجتماعية وتكريس مبدأ المساهمة التضامنية، ويقترح مشروع القانون تمديد العمل بالمساهمة الاجتماعية للتضامن على الأرباح والدخول، قصد دعم موارد صندوق التماسك الاجتماعي وتمويل البرامج ذات البعد الإنساني والتنمية البشرية.
تعديلات في الرسوم الجمركية والضرائب غير المباشرة، كما يشمل المشروع أيضًا مجموعة من التعديلات الهيكلية على مدونة الجمارك، تستهدف تحديث آليات المراقبة وتحسين النجاعة الميدانية. ومن أبرز المستجدات، السماح باستعمال الطائرات دون طيار والكاميرات في المراقبة الجمركية، إلى جانب إدماج تقنية سلسلة الكتل (Blockchain) في مساطر التخليص الجمركي، ما سيعزز من الشفافية وسرعة المعالجة. كما ينص المشروع على تشديد المراقبة داخل مناطق التسريع الصناعي للحد من أي تجاوزات محتملة في تدفقات السلع والبضائع. أما على مستوى الرسوم الجمركية، فقد تم إدخال تعديلات انتقائية تروم حماية الإنتاج الوطني وتشجيع الصناعات المحلية، إذ سيتم رفع رسم الاستيراد على أقمشة الجاكار وآلات الغسيل إلى 30 في المائة دعماً للصناعة النسيجية الوطنية، في حين تم خفض الرسم على الأخشاب الخام والألواح المجمعة من 12 في المائة إلى 6 في المائة، لتحفيز نمو صناعة الخشب وتحسين تنافسيتها.
رهان الحكومة على خلق فرص شغل مستدامة
يشكل مشروع قانون المالية لسنة 2026 أداة محورية للحكومة في مواجهة تحدي التشغيل وتحقيق الاندماج الاقتصادي للشباب، ضمن استراتيجية شاملة تهدف إلى تعزيز النمو المستدام والعدالة المجالية، وتحقيق التنمية الاقتصادية المتوازنة عبر جميع جهات المملكة. ويعكس هذا المشروع التزام الحكومة بالرهانات الاقتصادية والاجتماعية الأساسية، إذ يأتي في آخر سنة من ولايتها ضمن إطار البرنامج الحكومي 2021-2026، الذي جعل التشغيل ركيزة أساسية لتقليص الفوارق وتحسين جودة الحياة للمواطنين.
ويركز مشروع القانون على إحداث فرص شغل ملموسة ومتنوعة، خاصة للشباب الذين يمثلون نسبة كبيرة من القوى العاملة في المغرب. ويستهدف المشروع تعزيز التشغيل من خلال برامج دعم المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، باعتبارها محركاً رئيسياً لخلق فرص الشغل في القطاعات الإنتاجية والخدماتية، إلى جانب تشجيع الاستثمار الخاص في المشاريع المبتكرة التي تتيح تشغيل فئات واسعة من الشباب.
ويشمل هذا التوجه دعماً مباشراً للمقاولات الناشئة ورواد الأعمال عبر برامج تمويلية وتسهيلات ضريبية، وهو ما يعزز قدرة القطاع الخاص على المساهمة في التشغيل بشكل فاعل ومستدام. كما يهدف المشروع إلى تطوير برامج التدريب المهني والتقني، لتمكين الشباب من اكتساب المهارات المطلوبة في سوق الشغل، خاصة في القطاعات الاستراتيجية المرتبطة بالهندسة، الطاقة المتجددة، الصناعة، والخدمات الرقمية.
إضافة إلى دعم القطاع الخاص، يتضمن مشروع قانون المالية 2026 برامج لتوسيع التشغيل العمومي الجزئي والمباشر، عبر إحداث آلاف المناصب المالية الجديدة، خصوصاً في القطاعات الحيوية مثل التعليم والصحة والإدارة الترابية، بما يعالج الخصاص في الموارد البشرية. وفي هذا الإطار، يخصص المشروع أكثر من 27 ألف منصب مالي جديد لسنة 2026، وهو ما يساهم في تعزيز الخدمات العامة وتحسين جودة التعليم والصحة، مع توفير فرص عمل مستقرة لمئات الآلاف من الموظفين الشباب والمختصين.
ويؤكد خبراء الاقتصاد أن هذا التوجه يربط بشكل مباشر بين توسيع الخدمات الاجتماعية وتحقيق فرص التشغيل، إذ أن استثمار الدولة في الإنسان والبنية التحتية يؤدي إلى خلق وظائف متعددة ضمن سلاسل الإنتاج والخدمات المصاحبة، وهو ما ينعكس إيجاباً على النمو الاقتصادي المحلي والتوازن المجالي.
ويشكل التشغيل في الجهات البعيدة والنائية عن المركز محوراً أساسياً في مشروع قانون المالية 2026، حيث أطلقت الحكومة برامج تنموية متعددة تندرج ضمن جيل جديد من البرامج المندمجة ترابياً، تهدف إلى خلق فرص شغل في مناطق درعة-تافيلالت، الجهة الشرقية، كلميم واد نون، وبني ملال-خنيفرة.
وتسعى هذه البرامج إلى تمكين السكان المحليين من المساهمة في الأنشطة الاقتصادية الإقليمية، مثل الزراعة الحديثة، الطاقة النظيفة، الصناعات التقليدية، والخدمات السياحية، مع التركيز على خلق وظائف للشباب والنساء. ويؤكد المشروع على ضرورة أن تكون هذه المبادرات متكاملة مع برامج التدريب والتأهيل المهني، لضمان قدرة المستفيدين على مواكبة متطلبات سوق الشغل المحلي والوطني.
ويشير مشروع قانون المالية 2026 إلى أهمية دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة باعتبارها العمود الفقري لخلق فرص الشغل، مع التركيز على المشاريع المبتكرة في مجالات الطاقة، التحول الرقمي، الصناعة الغذائية، والخدمات اللوجستية. وتوفر الحكومة لهذه المقاولات برامج تمويلية ميسرة، إلى جانب إرشاد تقني وتدريب مهني، لضمان نجاحها واستدامتها في السوق، ما ينعكس مباشرة على خلق فرص شغل جديدة.
كما يشمل المشروع تطوير الميثاق الوطني للاستثمار لتعزيز الشراكة بين الدولة والمقاولات، مع تسهيل إجراءات الاستثمار، وتحفيز المشاريع الإنتاجية التي تخلق فرص عمل عالية الجودة، وتساهم في زيادة القيمة المضافة الاقتصادية للمغرب على المستوى الوطني والإقليمي.
ويؤكد خبراء الاقتصاد أن النجاح في خلق فرص الشغل يرتبط مباشرة بفعالية السياسات الاجتماعية، بما في ذلك الدعم المالي المباشر والحماية الاجتماعية. ويتيح مشروع قانون المالية 2026، عبر التوافق بين برامج التشغيل والدعم الاجتماعي، خلق بيئة اقتصادية مستقرة، تشجع الفئات الشابة على الانخراط في سوق الشغل، وتقلص نسب البطالة والهجرة الداخلية، خاصة في المناطق النائية.
وتعتمد الحكومة على هذا التكامل بين التشغيل والسياسات الاجتماعية لضمان عدالة مجالية حقيقية، حيث تصبح فرص الشغل متاحة بشكل متوازن بين الجهات، بما يسهم في الحد من الفوارق الاجتماعية والاقتصادية ويعزز التنمية المستدامة.
وما يميز مشروع قانون المالية 2026 هو أنه يضع التشغيل في قلب الاستراتيجية الاقتصادية والاجتماعية، من خلال تنويع مصادر الشغل بين القطاع الخاص والعام، وربطه بالتحول الاجتماعي والتنموي، مع مراعاة الاستدامة المالية.
ويعتبر هذا المشروع خطوة حاسمة نحو إنشاء قاعدة واسعة من الوظائف المستدامة، خاصة لفئات الشباب والنساء، مع تعزيز القدرة التنافسية للمقاولات، وتحفيز الاقتصاد الوطني على النمو الشامل والمتوازن. كما يعكس اهتمام الحكومة بضرورة ضمان استدامة هذه الوظائف عبر برامج التدريب والتأهيل المهني، وربطها بمشاريع التنمية المحلية، ما يجعل من التشغيل ركيزة استراتيجية لتعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في المغرب.
استثمارات المؤسسات والمقاولات العمومية تتجاوز 179 مليار درهم
أفاد التقرير الصادر حول المؤسسات والمقاولات العمومية، المرفق بمشروع قانون المالية للعام المقبل، بأن التوقعات تشير إلى ارتفاع استثماراتها لتبلغ 179,72 مليار درهم عام 2026، بزيادة قدرها 6 في المئة مقارنة بتوقعات اختتام سنة 2025.
وأوضح التقرير أن هذا الارتفاع يعزى، بشكل أساسي، إلى الاستثمارات المتوقع إنجازها من طرف ثماني مؤسسات ومقاولات عمومية تستحوذ مجتمعة على أكثر من 75 في المئة من الحجم الإجمالي المتوقع للاستثمارات.
ويتعلق الأمر بالمجمع الشريف للفوسفاط (52,54 مليار درهم)، ومجموعة المكتب الوطني للسكك الحديدية (20,56 مليار درهم)، والشركات الجهوية متعددة الخدمات (19,55 مليار درهم)، والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب (17,18 مليار درهم)، ومجموعة التهيئة العمران (7,62 مليارات درهم)، والمكتب الوطني للمطارات (6,2 مليارات درهم)، ومجموعة صندوق الإيداع والتدبير (5,97 مليارات درهم)، والأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين (5,78 مليارات درهم). وبالنسبة لسنة 2027، تقدر استثمارات المؤسسات والمقاولات العمومية بنحو 159 مليار درهم، بانخفاض قدره 12 في المئة مقارنة بسنة 2026.
وفي المقابل، تشير التوقعات، برسم سنة 2028، إلى انتعاش ملحوظ في الاستثمارات، بحجم يقدر بحوالي 167,51 مليار درهم (أي بارتفاع نسبته 5 في المئة مقارنة بسنة 2027). وعلى امتداد الفترة ما بين 2026 و2028، من المتوقع أن يظل مستوى استثمارات المؤسسات والمقاولات العمومية مرتفعا، بمعدل سنوي يفوق 168,74 مليار درهم، ما يؤكد الدور الاستراتيجي الذي تضطلع به هذه الهيئات في تحفيز النمو وضمان استدامة النموذج التنموي الوطني.
ويشير التقرير، كذلك، إلى أن تحليل التوزيع الجهوي لاستثمارات المؤسسات والمقاولات العمومية المتوقعة برسم سنتي 2025 و2026 يبرز تركيزا جغرافيا مهما في جهود الاستثمار العمومي.
ففي سنة 2025، من المتوقع توجيه أكثر من 64 في المئة من إجمالي الاستثمارات إلى ثلاث جهات فقط: الدار البيضاء- سطات (30,6 في المئة)، والرباط- سلا- القنيطرة (19,4 في المئة) ومراكش-آسفي (13,6 في المئة).
ومن المرتقب أن يستمر هذا التوزيع سنة 2026، بحصص تقدر على التوالي بحوالي 31,2 في المئة، و14,6 في المئة و14,6 في المئة، ما يعكس استمرار التوجه نحو الاستثمار في الأقطاب الحضرية التي استفادت تاريخيا من تجهيزات وبنيات تحتية ومشاريع كبرى.
وأبرز التقرير أنه، إذا كانت بعض الجهات، على غرار جهة الشرق وبني ملال- خنيفرة وفاس-مكناس، سجلت تطورا إيجابيا – وإن كان طفيفا – في حصصها الاستثمارية بين عامي 2025 و2026، فإن جهات أخرى، مثل درعة- تافيلالت، وسوس-ماسة، وكلميم- واد نون والداخلة- واد الذهب، مازالت تستفيد من حصص أقل بكثير، غالبا ما تقل عن 3 في المائة من إجمالي الاستثمار، ما يفاقم التفاوتات بين الجهات ويبرز حدود الأثر التوزيعي للاستثمارات العمومية الحالية.
وأكد التقرير ذاته أنه أصبح من الضروري تحقيق انسجام أكبر بين مخططات استثمار المؤسسات والمقاولات العمومية وآليات تعبئة العقار العمومي، والاستراتيجيات الجهوية للتنمية، بما يضمن تقارب الجهود العمومية في اتجاه إعادة التوازن الترابي، وتمكين الجهات ذات الكثافة الاستثمارية المنخفضة، خاصة بالمناطق القروية والنائية.
وشدد التقرير، أيضا، على ضرورة إدماج معايير الأثر الترابي والعدالة المجالية، إضافة إلى الانسجام مع أهداف الجهوية المتقدمة، بشكل منهجي في عمليات التخطيط والتحكيم المتعلقة بالاستثمارات العمومية، مشيرا إلى أن هذا التحول الاستراتيجي يعد شرطا أساسيا لتجسيد الرؤية الملكية لمغرب متضامن ومندمج وعادل، حيث تعود ثمار التنمية بالنفع على جميع المواطنين دون إقصاء أو تفاوت.
ويرتقب أن تبلغ مساهمات المؤسسات والمقاولات العمومية في الميزانية العامة (دون احتساب موارد تفويت الأصول وعائدات الخوصصة) أزيد من 19,52 مليار درهم في سنة 2026، بحسب التقرير حول المؤسسات والمقاولات العمومية المرفق بمشروع قانون المالية للسنة المقبلة. وذكر التقرير أن هذه التوقعات توجد تقريبا في نفس مستوى الموارد التي سبق توقعها برسم قانون المالية لسنة 2025 دون احتساب موارد تفويت الأصول وعائدات الخوصصة (19,55 مليار درهم)، موضحا أن التحويلات المالية بين الدولة والمؤسسات والمقاولات العمومية تتمثل في تدفقات موجهة نحو الدولة على شكل أرباح وحصص الأرباح وعوائد الاحتكار ومساهمات وإتاوات مقابل الاحتلال المؤقت للملك العمومي وموارد أخرى.
وتشير التوقعات بالنسبة لسنتي 2027 و2028 إلى تحقيق موارد تناهز، على التوالي 17,43 مليار درهم و17,6 مليار درهم دون احتساب موارد تفويت الأصول وعائدات الخوصصة.
وبلغ مجموع إنجازات الموارد المتأتية من المؤسسات والمقاولات العمومية، إلى غاية متم شهر شتنبر 2025، ما مجموعه 16,02 مليار درهم، متأتية بالأساس من المجمع الشريف للفوسفاط (6,18 مليارات درهم) وبنك المغرب (4,08 مليارات درهم) والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية (4,01 مليارات درهم).
وذكر التقرير بأنه في سنة 2024، بلغت مساهمات المؤسسات والمقاولات العمومية في الميزانية العامة دون احتساب موارد تفويت الأصول وعائدات الخوصصة، ما قدره 16,61 مليار درهم، أي بمعدل إنجاز بلغ 107 في المئة مقارنة بالتوقعات الأولية، وأضاف أن أغلب المساهمات كانت متأتية من الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية (6 ملايير درهم) والمجمع الشريف للفوسفاط (5,8 ملايير درهم) وبنك المغرب (2,87 مليار درهم).
تعزيز الدولة الاجتماعية في مشروع قانون المالية 2026
يشكل مشروع قانون المالية لسنة 2026 محطة مفصلية في مسار تنزيل أسس الدولة الاجتماعية، التي جعلتها الحكومة شعاراً مركزياً لولايتها الحالية. فبعد سنوات من الإصلاحات التدريجية، يأتي هذا المشروع ليعكس تحولاً نوعياً في السياسة الاجتماعية للدولة، من خلال ربط الدعم المباشر بالعدالة المجالية، وتحسين جودة الخدمات العمومية وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية لتشمل فئات أوسع من المواطنين.
ويبدو واضحاً أن الحكومة، في آخر سنة من ولايتها، تسعى إلى ترجمة التزاماتها الاجتماعية على أرض الواقع، من خلال حزمة من الإجراءات المالية والمؤسساتية التي تستهدف الأسر محدودة الدخل، والعمال غير الأجراء والفئات الهشة، إلى جانب الاستثمار في رأس المال البشري عبر التعليم والصحة.
ويشكل برنامج الدعم الاجتماعي المباشر أحد أهم محاور مشروع قانون المالية 2026، إذ تعتزم الحكومة الانتقال إلى المرحلة الثانية من هذا البرنامج، التي ستعرف الرفع من قيمة الإعانات الموجهة للأسر، خصوصاً تلك التي تضم أطفالاً متمدرسين، وكذا الأسر التي تعيل أشخاصاً في وضعية إعاقة.
ويهدف هذا البرنامج إلى تحسين الدخل المتاح للأسر المغربية، وتمكينها من مواجهة تقلبات الأسعار وارتفاع تكاليف المعيشة، من خلال تحويلات مالية شهرية منتظمة تضمن الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي. وتشير المعطيات الأولية إلى أن هذه المرحلة ستعتمد على نظام معلوماتي موحد يضمن توجيه الدعم بدقة إلى مستحقيه، في إطار من الشفافية والنجاعة.
وتراهن الحكومة على إدماج برامج الدعم القطاعية السابقة (على غرار «تيسير» و«راميد» وغيرهما) في منظومة موحدة، لضمان التقائية السياسات الاجتماعية، وتفادي تشتت الموارد وضعف الأثر الاجتماعي للدعم العمومي. ويؤكد خبراء الاقتصاد أن هذا التوحيد يساهم في تحسين كفاءة الإنفاق العام ويضمن وصول الدعم إلى الفئات الأكثر حاجة بشكل أسرع وأكثر دقة.
إلى جانب الدعم المباشر، يتضمن المشروع دفعة قوية لاستكمال ورش الحماية الاجتماعية، باعتباره أحد أكبر مشاريع الإصلاح الاجتماعي في تاريخ المغرب. ويتعلق الأمر باستكمال تعميم التغطية الصحية والتقاعد والتعويض عن فقدان الشغل لفائدة العمال غير الأجراء والمهنيين المستقلين، وهي الفئة التي كانت تعاني لعقود من الهشاشة وغياب أي حماية ضد المخاطر الاجتماعية.
وسيمكن هذا التعميم، حسب التقديرات الحكومية، من إدخال مئات الآلاف من المهنيين والتجار والحرفيين ضمن المنظومة الوطنية للحماية الاجتماعية، ما يشكل نقلة نوعية في هيكلة الاقتصاد غير المهيكل، ويعزز الإدماج الاجتماعي والمالي. وستتيح هذه الخطوة، كذلك، تمكين الفئات الهشة من الوصول إلى خدمات التأمين الصحي والمعاش التقاعدي، وهو ما يسهم في الحد من الفقر والهشاشة ويحقق نوعاً من الاستقرار الاجتماعي على المدى المتوسط.
ويخصص المشروع، كذلك، اعتمادات مهمة لتقوية البنية الإدارية والتقنية التي ستواكب تنزيل هذا الورش، خاصة من خلال رقمنة المساطر وتبسيط الولوج إلى الخدمات الاجتماعية، بهدف ضمان عدالة في التوزيع وسرعة في التنفيذ. وهذا التوجه يعكس إدراك الحكومة لأهمية الإدارة الرقمية للموارد الاجتماعية في تعزيز الشفافية ومكافحة أي اختلالات في توجيه الدعم.
ويراهن مشروع قانون المالية، أيضاً، على تعزيز الخدمات الاجتماعية الأساسية، من خلال تخصيص غلاف مالي يفوق140 مليار درهم لقطاعي التعليم والصحة، وهو أكبر استثمار اجتماعي تشهده البلاد في السنوات الأخيرة.
في قطاع التعليم، تركز الحكومة على تحسين جودة التعلمات، وتأهيل المؤسسات التعليمية وتوسيع العرض التربوي بالمناطق القروية والنائية، وتسعى إلى دعم الإصلاح التربوي المندمج المرتبط بتعميم التعليم الأولي، وتكوين الأساتذة وتجديد المناهج، بما يعزز تكافؤ الفرص ويحد من الفوارق المجالية.
أما في قطاع الصحة، فيتجه المشروع إلى تغطية الخصاص في الموارد البشرية من خلال إحداث أكثر من 27 ألف منصب مالي جديد سنة 2026، مع إطلاق مشاريع كبرى للبنية التحتية الصحية، مثل افتتاح المركزين الاستشفائيين الجامعيين بأكادير والعيون، واستكمال أوراش المراكز الجامعية بكل من بني ملال وكلميم والرشيدية، وإعادة افتتاح المركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا بالرباط.
وتؤكد الحكومة أن هذه الاستثمارات لن تحسن جودة الخدمات الصحية والتعليمية فحسب، بل ستسهم في خلق فرص شغل جديدة في القطاعات المرتبطة بالإنشاءات والبنيات التحتية والخدمات الصحية والتربوية، وهو ما يعزز التكامل بين الإصلاح الاجتماعي والتنمية الاقتصادية المحلية.
ورغم الطابع الطموح للإجراءات الاجتماعية التي يتضمنها مشروع قانون المالية 2026، فإن الحكومة تراعي ضرورة الحفاظ على التوازنات المالية الكبرى، عبر التحكم في عجز الميزانية ليبقى في حدود 3 بالمئة من الناتج الداخلي الخام، وضبط مستويات المديونية في سقف يضمن استدامة تمويل هذه البرامج دون اللجوء إلى الاقتراض المفرط.
ويؤكد خبراء الاقتصاد أن هذا التوازن يعكس وعي الحكومة بالعلاقة المباشرة بين الاستقرار المالي ونجاح الإصلاح الاجتماعي، إذ أن أي إخلال بالتوازنات المالية قد يضعف القدرة على تمويل البرامج الاجتماعية ويقوض الثقة في السياسات العمومية.
إن ما يميز مشروع قانون المالية 2026 هو أنه لا يتعامل مع الدعم الاجتماعي بوصفه إجراء ظرفيا أو سياسة إحسانية، بل خيارا استراتيجيا لبناء دولة اجتماعية عادلة ومنصفة، تقوم على توزيع أفضل للموارد، وضمان الولوج المتكافئ إلى الخدمات الأساسية وتحفيز الفئات النشيطة على الإنتاج والمشاركة الاقتصادية.
ويظهر جلياً أن الحكومة تراهن، من خلال مشروع قانون المالية 2026، على ترسيخ التحول الاجتماعي الكبير الذي بدأ سنة 2021، وتحويله إلى مسار مؤسساتي دائم، يربط العدالة الاجتماعية بالنجاعة الاقتصادية، في أفق تحقيق تنمية أكثر شمولاً وتوازناً، وتعزيز الاستقرار المجتمعي على المدى الطويل.
محمد جدري *
«مشروع مالية 2026 جسد أولويات الحكومة لتحقيق العدالة المجالية وحماية الفئات الهشة»
- في ظل الظرفية الاقتصادية العالمية الحالية، كيف تقرؤون مشروع قانون المالية لسنة 2026؟
يجب التأكيد أولا أن إعداد مشروع قانون المالية 2026 يتم في ظرفية دولية غير مستقرة، تتسم باللايقين، بسبب استمرار التوترات في منطقة الشرق الأوسط، واندلاع حرب تجارية جديدة بين الولايات المتحدة والصين، وتقلبات أسعار العملات والذهب والنفط. هذه العوامل، تلقي بظلالها على إعداد المشروع وعلى كل التوقعات الاقتصادية العالمية، ما يجعل من التخطيط المالي الدقيق أمرا حتميا، لضمان استدامة الاقتصاد الوطني.
ورغم هذه المعطيات، فالمؤشرات الماكرو-اقتصادية للمغرب خلال سنة 2025 إيجابية، حيث يتوقع أن يسجل الاقتصاد الوطني نموا بنسبة 4,8 في المائة، مع تحكم واضح في التضخم الذي انخفض من 6,6 في المائة إلى نحو 1 في المائة، وتقليص عجز الميزانية من 7 في المائة في بداية الولاية الحكومية إلى 3,5 في المائة بنهاية السنة الجارية. هذه النتائج، تعكس قدرة الاقتصاد المغربي على الصمود أمام الصدمات الخارجية، وتوفر للحكومة هامشا للتخطيط المالي المستقبلي في مشروع قانون المالية 2026.
كما يأتي المشروع أيضا في سياق وطني خاص، تميز بخطاب العرش الأخير ليوم 30 يوليوز، الذي دعا فيه جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، إلى تجاوز منطق العمل بسرعتين، وضرورة التركيز على استكمال الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية بطريقة منهجية ومدروسة. كما أن الاحتجاجات الاجتماعية الأخيرة شكلت عاملا إضافيا جعل الحكومة تعيد النظر في أولوياتها المالية، خصوصا في ما يتعلق بالعدالة المجالية وتعزيز حماية الفئات الهشة.
- ما هي المرتكزات الأساسية التي يرتكز عليها مشروع قانون المالية 2026؟
يجب التأكيد على أن المشروع يرتكز على أربعة محاور رئيسية، تمثل الإطار الاستراتيجي للتوجه الحكومي خلال السنة المقبلة، فالمحور الأول: ترسيخ رؤية اقتصادية طويلة الأمد تمتد إلى أفق سنة 2035، تهدف إلى مضاعفة الناتج الداخلي الخام ليصل إلى 260 مليار دولار. ويتطلب هذا المحور تعزيز جاذبية المغرب للاستثمارات الأجنبية، وتشجيع المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، وتفعيل ميثاق الاستثمار بشكل شامل، مع التركيز على دعم الاستثمارات المنتجة، ورفع تنافسية النسيج المقاولاتي الوطني. كما يشمل تحسين مناخ الأعمال وتطوير القطاعات الاستراتيجية المرتبطة بالماء والطاقة، سيما مشروع الهيدروجين الأخضر، الذي يعد من الأوراش المهيكلة للمغرب الصاعد.
أما المحور الثاني فيتمثل في تقليص الفوارق المجالية وتعزيز التنمية المتوازنة من خلال إطلاق جيل جديد من البرامج المندمجة ترابيا، تستهدف الجهات البعيدة عن المركز، مثل درعة- تافيلالت، الجهة الشرقية، كلميم واد نون، وبني ملال- خنيفرة. وتهدف هذه البرامج إلى تمكين هذه الجهات من المساهمة في خلق الثروة وفرص الشغل لفائدة الشباب، بما يعزز العدالة المجالية والتنمية المستدامة، ويحد من الهجرة الداخلية نحو المدن الكبرى.
فيما يكمن المحور الثالث في تعزيز أسس الدولة الاجتماعية، عبر تخصيص غلاف مالي يفوق 140 مليار درهم لقطاعي التعليم والصحة خلال سنة 2026، وإحداث أكثر من27 ألف منصب مالي، لتغطية الخصاص في هذين القطاعين الحيويين. وهذا الجهد المالي سيحسن جودة الخدمات التعليمية والصحية، خصوصا بالمناطق النائية، مع افتتاح المركزين الاستشفائيين الجامعيين بأكادير والعيون، واستكمال أشغال المراكز الجامعية ببني ملال وكلميم والرشيدية، وإعادة افتتاح المركز الاستشفائي الجامعي ابن سينا بالرباط. كما يشمل المشروع توسيع نطاق الحماية الاجتماعية، عبر تعميم معاش التقاعد والتعويض عن فقدان الشغل للعمال غير الأجراء والمهنيين الأحرار، إلى جانب المرحلة الثانية من برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، والتي ستشهد رفع قيمة الإعانات الموجهة إلى الأسر، خصوصا المرتبطة بالأطفال.
ورابعا، الحفاظ على التوازنات المالية الكبرى، من خلال التحكم في عجز الميزانية ليبقى دون 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وضبط المديونية في مستويات مستقرة تضمن استدامة تمويل الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية. وأشير إلى أن هذا المحور يعكس فهم الحكومة العميق للعلاقة بين الاستقرار المالي ونجاح الإصلاحات الاجتماعية، كما أن أي تراجع عن ضبط التوازنات المالية سيكون له انعكاسات سلبية على قدرة الدولة على تمويل مشاريعها المستقبلية.
- كيف يوازن مشروع قانون المالية بين الاستجابة للاحتياجات الاجتماعية، والحفاظ على الاستقرار المالي؟
إن مشروع قانون المالية 2026 يمثل محاولة واضحة للحكومة لتحقيق توازن دقيق بين تعزيز النمو الاقتصادي، وتمويل الإصلاحات الاجتماعية. كما أن تخصيص الموارد المالية للقطاعات الحيوية مثل التعليم والصحة، إلى جانب تطوير برامج الحماية الاجتماعية، تم بطريقة مدروسة تضمن استدامة الموازنة العامة، مع التحكم في مستويات العجز والديون.
كما أن هذا التوازن يسمح للحكومة بتعزيز التنمية الاقتصادية دون المساس باستقرار المالية العمومية، وهو ما يعد من أهم التحديات التي تواجه أي دولة في مرحلة الانتقال الاجتماعي والاقتصادي. كما أشير إلى أن المشروع المالي يعكس إدراك الحكومة لأهمية الاستجابة للاحتجاجات الاجتماعية الأخيرة عبر دعم برامج التشغيل، وتحسين الخدمات، وتوسيع نطاق الدعم المباشر للأسر والأطفال، بما يعزز من العدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي.
إن مشروع قانون المالية 2026 يمثل فرصة للحكومة لتثبيت مكتسباتها الاقتصادية، وتعزيز الدولة الاجتماعية، وتحقيق تنمية شاملة ومستدامة، وأشدد في هذا الجانب على أن نجاح هذا المشروع يتطلب متابعة دقيقة من جميع الفاعلين، وتنسيقا مستمرا بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني لضمان تحقيق الأهداف المرسومة، قبل نهاية ولاية الحكومة سنة 2026.
* محلل اقتصادي ورئيس مرصد العمل الحكومي






