حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

شوف تشوف

الرأيالرئيسيةسياسية

​إسبانيا كما أتذكرها وأريدها

​يسرا طارق

مقالات ذات صلة

​لم تكن إسبانيا، في طفولتي بأزغنغان، بلداً أجنبياً تفصلنا عنه حدود وقوانين وجوازات سفر وجمارك. لم نكن، نحن الأطفال، نكترث بكون مليلية محتلة، ولا نعير كبير اهتمام لحكايات الجدات عن الحروب الدامية ضد الإسبان، وعن القنابل الكيماوية التي حصدت آلاف الأرواح وتركت بؤراً مرضية جعلت من بعض مناطق الريف الأكثر وطنيا في ما يخص الإصابة بالسرطان.

لم يكن يهمنا التاريخ، ولم نكن نعرفه؛ وما كنا على يقين منه هو مباهج مليلية، ثيابها الأنيقة، حلوياتها التي تذوب في الفم، مدينة الملاهي التي كنا ننتظرها كل صيف ونلتقي فيها مع عالم عجيب كأنه جاء من عوالم ألف ليلة وليلة، نظافة الشوارع وعذوبة النزهات المسائية في الشاطئ.

كنا نخرج من عالم كئيب مغلق، عالم يراقب فيه الكلُّ الكلَّ، ويحصون حركاتهم ويتدخلون بفظاظة في ما لا يعنيهم، إلى عالم فرح ومفتوح ينشغل فيه كل واحد بنفسه، عالم الضحك والرقص والغناء. كيلومترات قليلة كانت تنقلنا من عالم إلى عالم، ومن زمن إلى زمن، ومن ثقافة إلى ثقافة ومن طفولة إلى طفولة.

ورغم أن إسبانيا تركت أهم المعالم العمرانية في أزغنغان، إلا أنها أخذت معها مباهج الحياة الإسبانية، وصارت تلك الأماكن المهجورة تبكي بصمت من كانوا يملؤونها حيوية وصخبا وإقبالاً على الحياة. لم تكن إسبانيا في طفولتي هي الرغبات الصغيرة فقط، بل كانت، أيضاً، حديثاً يومياً عن الصحة أو عن تلك الإمكانيات، وذلك التقدم الذي لم يكن لنا نصيب فيه. لا تفارق ذاكرتي ثلاث حكايات دالة تثبت أن التداخل الإنساني مع أهل الضفة الشمالية كان من القوة بحيث يغطي على ما فعله ويفعله العسكر والسياسيون والإعلام المتعصب.

​أنجبت جدتي من جهة الأم عدة أولاد وبنات، وكانت مولدتها إسبانية، باشرت عمليات التوليد الأولى بفرح واستبشار، لكنها، حين تجاوزت جدتي الولادة العاشرة إلى الرابعة عشرة، كانت تولدها بغضب وهي تكرر: «ياستا، ياستا فاطمة، أنت تخربين صحتك!». بعدها، وبعد أن توقفت جدتي عن الولادة، صرنا نمازحها بترديد الكلمات الإسبانية: ياستا.. ياستا.. ياستا فاطمة..

​انفجرت الزائدة الدودية لأمي وهي في سن السادسة عشرة، أخذها جدي بسيارته إلى الناظور، طاف بها الأطباء وعجزوا عن معرفة ما بها، وحين رأى أنها تحتضر، وببارقة أمل، قرر أخذها إلى مليلية. لم يسأل طبيب المستشفى من هي، ولا طلب مقابلاً، وعرف بسرعة ما بها وأدخلها إلى غرفة العمليات. وحين شفيت لم يصدق ما حدث، كانت شبه ميتة وكُتب لها عمر مديد. حين أفكر في إسبانيا، لا أنسى ما فعله طبيب إسباني مع أمي.

​كانت قريبة لنا تعاني من انحسار النظر، وكانت في سن الزواج تقريبا، وفي مجتمع يريد المرأة كاملة وبلا نقائص، كانت حظوظها في زيجة جيدة ستتقلص رغم جمالها الباهر إن هي لبست نظارات طبية. لم تكن العدسات الطبية شائعة ولا في متناول الجميع، آنذاك، وقدمت لها مليلية هذه المكرمة إذ وفرت لها عدسات وبثمن في متناولها.

​إسبانيا، إلى جانب وجهها الأسود بالجرائم التي ارتكبتها، هي، أيضاً، وجه إنساني أبيض، وتداخل إنساني امتد لقرون.. (يتبع)

حمّل تطبيق الأخبار بريس: لتصلك آخر الأخبار مباشرة على هاتفك App Store Google Play

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى