
النعمان اليعلاوي
تلوح بوادر احتقان بكليات الطب، فقد جددت اللجنة الوطنية لطلبة الطب وطب الأسنان والصيدلة تحذيراتها من استمرار ما وصفته بالغموض الذي يلف تدبير المرحلة الانتقالية لإصلاح منظومة التكوين الطبي والصيدلي، مطالبة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار بالكشف عن الآليات العملية المعتمدة لتنزيل الإصلاح، وتوضيح انعكاساته المباشرة على المسارات الدراسية للطلبة.
وأعادت اللجنة، فتح النقاش حول الانتقال من سبع سنوات إلى ست سنوات في تكوين الأطباء، بالتوازي مع تقليص مدة التداريب الاستشفائية الخارجية من ثلاث سنوات إلى سنتين، معتبرة أن هذه التحولات تطرح أسئلة جوهرية حول مدى قدرة النظام الجديد على ضمان التكوين السريري والمهارات المهنية المطلوبة، في ظل ما تصفه بمحدودية البنيات الجامعية والاستشفائية المخصصة للتدريب.
وتأتي هذه الانتقادات في وقت تحاول فيه المؤسسات الجامعية تدبير انتقال دفعات الطلبة من نظام تكوين إلى آخر، وسط تخوفات من حدوث تداخل بين المسارات الدراسية واختلاف شروط التكوين والتخرج بين الطلبة الذين ولجوا الكليات في سنوات مختلفة.
دفعات عالقة وأسئلة حول المسار الدراسي
تضع المرحلة الانتقالية، وفق اللجنة، طلبة دفعة 2023 في وضعية أكثر تعقيداً، بسبب عدم وضوح الكيفية التي سيتم بها استكمال مسارهم الدراسي في ظل الانتقال إلى النظام الجديد. ويتعلق الأمر، بحسب الطلبة، بتحديد الوحدات الدراسية التي قد يكونون مطالبين باستدراكها أو إعادة اجتيازها، وكيفية احتساب المكتسبات السابقة ضمن النظام الجديد.
وتعتبر اللجنة أن غياب تصور موحد وواضح يفتح الباب أمام اختلاف طرق تنزيل الإصلاح من كلية إلى أخرى، وهو ما قد يخلق تفاوتاً في شروط الدراسة والتقييم والتخرج بين طلبة يتابعون التخصص نفسه داخل منظومة جامعية واحدة.
ولهذا دعت المجالس المحلية لكليات الطب وطب الأسنان والصيدلة إلى التنسيق مع عمداء المؤسسات الجامعية وعقد اجتماعات عاجلة، بهدف وضع تصور موحد لتسوية الملفات العالقة، محذرة من تحميل الطلبة وحدهم تبعات مرحلة انتقالية ناتجة عن إصلاح مؤسساتي يفترض أن تدبره الجهات المسؤولة وفق قواعد واضحة ومعلنة.
ولا تتعلق المخاوف فقط بالمسار الأكاديمي، وإنما تمتد إلى مستقبل الطلبة المهني، خصوصاً في ظل ارتباط جودة التكوين الطبي بمدى استفادة الطالب من عدد كاف من التداريب السريرية والتطبيقية. فاختصار سنوات الدراسة، بحسب اللجنة، لا ينبغي أن يؤدي إلى اختصار فرص اكتساب الخبرة والكفاءات الضرورية لممارسة المهنة.
ارتفاع أعداد الطلبة يصطدم بمحدودية البنيات
وتضع اللجنة مسألة البنيات الاستشفائية والجامعية في قلب انتقاداتها، خصوصاً بالنسبة إلى تكوين أطباء الأسنان والصيادلة. وترى أن الارتفاع المتواصل في أعداد الطلبة لم يواكبه توسع بالوتيرة نفسها في البنيات والتجهيزات ومرافق التدريب، الأمر الذي قد ينعكس على جودة التكوين وعلى قدرة الطلبة على الاستفادة الفعلية من التداريب التطبيقية.
وتشير اللجنة، في هذا السياق، إلى استمرار اختلالات مرتبطة بالبنيات الاستشفائية، من بينها غياب مراكز استشفائية متخصصة لدى بعض كليات طب الأسنان، فضلاً عن تعثر مشاريع لإحداث بنيات مماثلة منذ سنوات.
وتعتبر اللجنة أن هذه الوضعية تطرح تحدياً أساسياً أمام الإصلاح، لأن أي تغيير في مدة الدراسة أو هيكلة المسارات لا يمكن أن يحقق أهدافه من دون توفير فضاءات تدريب كافية ومجهزة، وأطر مؤهلة، وحالات سريرية تسمح للطلبة باكتساب الخبرة العملية.
وترى اللجنة أن إصلاح التكوين الطبي والصيدلي ينبغي ألا يقاس فقط بعدد سنوات الدراسة، وإنما بجودة التكوين الذي يحصل عليه الطالب خلال هذه السنوات، وبمدى تمكنه من المهارات الضرورية قبل التخرج والانتقال إلى سوق الشغل وممارسة المهنة.
مباراة الولوج تعيد سؤال تكافؤ الفرص
في جانب آخر، أثارت اللجنة ما راج بشأن مزاعم تسريب مواضيع المباراة المشتركة للولوج إلى كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان العمومية، مطالبة بالتحقق من حقيقة هذه المعطيات وصون نزاهة المباراة.
وأكدت اللجنة أنها لا تتخذ موقفاً مسبقاً من نتائج أي تحقيق محتمل، لكنها شددت على ضرورة التعامل الجدي مع هذه المزاعم، بالنظر إلى حساسية المباراة وأهمية ضمان شروط الشفافية وتكافؤ الفرص بين جميع المترشحين.
ويعيد هذا الملف إلى الواجهة النقاش حول طرق تنظيم مباريات الولوج إلى التكوين الطبي، التي تعرف إقبالاً كبيراً من الحاصلين على شهادة البكالوريا، وما يترتب عنها من منافسة قوية، تجعل أي شكوك مرتبطة بنزاهة الامتحانات أو تسريب المواضيع قضية تمس ثقة الطلبة والأسر في منظومة الولوج إلى هذه التخصصات.
وفي ظل هذه الملفات المتراكمة، دعت اللجنة الوطنية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار إلى عقد اجتماع عاجل معها، من أجل تقديم توضيحات دقيقة بشأن مسارات المرحلة الانتقالية، وتسوية وضعيات الطلبة العالقة، وضمان تكافؤ الفرص وجودة التكوين.
وأكدت اللجنة أن الحوار يظل خيارها المفضل، شريطة أن يقوم على الوضوح والشفافية وتحمل المسؤولية المؤسساتية، معتبرة أن مستقبل التكوين الطبي والصيدلي لا يحتمل استمرار الضبابية، وأن نجاح الإصلاح يقتضي قرارات واضحة وآليات تنفيذية دقيقة تراعي حقوق الطلبة.
وبين طموح إصلاح منظومة التكوين الطبي والحاجة إلى ملاءمة المسارات الدراسية مع المتغيرات الجديدة، تبدو المرحلة الانتقالية أمام اختبار حقيقي؛ فنجاح الإصلاح لن يقاس فقط بقدرته على تقليص مدة الدراسة أو إعادة تنظيم المسالك، وإنما بمدى قدرته على تخريج أطباء وصيادلة وأطباء أسنان يتوفرون على الكفاءة العلمية والعملية اللازمة، داخل منظومة تضمن في الوقت نفسه وضوح القواعد وتكافؤ الفرص لجميع الطلبة.





