
شرعت الحكومة في أولى الخطوات لإصلاح أنظمة التقاعد المهددة بالانهيار، بعقد اجتماع أول هذا الأسبوع مع النقابات والاتحاد العام لمقاولات المغرب، انتهى بالمصادقة على منهجية العمل والبرمجة الزمنية لأشغال لجنة إصلاح أنظمة التقاعد.
لا أحد يجادل في كون أنظمة المعاشات العامة والخاصة تعاني من ضغوط مالية متزايدة، وهي بحاجة إلى إصلاح جوهري وعميق على جناح السرعة، فالموظفون والعمال سئموا من الروتوشات التي ابتدأت منذ طرح موضوع إصلاح نظام التقاعد في المغرب قبل 20 سنة بحيث سبق أن أحدثت لجنة وطنية في سنة 2004، كلفت بإصلاح أنظمة التقاعد برئاسة الوزير الأول إدريس جطو، وتم تشخيص واقع صناديق التقاعد وصياغة سيناريوهات متعددة لضمان استدامتها المستقبلية، من دون اتخاذ أي قرارات تتعلق بإصلاح هذه الأنظمة، قبل أن تلجأ حكومة عبد الإله بنكيران إلى تسكين الجرح الغائر بإصلاحات مؤقتة لم تزد المشكل إلا استفحالا.
بلا شك فإن قرار إصلاح أنظمة التقاعد في هذا الظرف بالذات، المطبوع بسياق استثنائي في كل شيء، ليس نزهة في حديقة، بل يعد قرارا صعبا وربما مثيرا للجدل ومحفوفا بالمخاطر الاجتماعية، لكن لا خيار عن ذلك. صحيح أن جل النقابات العمالية بالمغرب ستنتفض على مشروع الحكومة الذي ستتقدم به لإصلاح أنظمة التقاعد وتحاول أن تدافع عن مكاسب الطبقة العاملة، وُتحمل الحكومات المتعاقبة المسؤولية عن الأوضاع التي وصلت إليها صناديق التقاعد، ومنها غياب المراقبة وسوء التدبير والاختلاسات. وهذا أمر طبيعي ومتوقع لكن هذا ليس مبررا لسيادة الخوف وتصدير هذا الملف إلى حكومات أخرى.
إن الإصلاح يتطلب إجراء تقييم موضوعي ومساءلة صارمة للمشاكل المالية التي تواجه أنظمة المعاشات الحالية. فبدون ذلك الأساس، ليس من الممكن الشروع في مناقشات بشأن تكاليف ومنافع إجراءات الإصلاح البديلة. ولذلك، فإن تحميل موظفي الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية تبعات إفلاس صناديق التقاعد دون تحديد المسؤوليات عن سبب هذا الإفلاس، لن يجنبنا الوقوع في المصير نفسه بعد سنوات.
والغريب في الأمر أن البرلمان شكل لجنة لتقصي الحقائق في موضوع المعاشات لذر الرماد في العيون، والنتيجة كانت عبارة عن تقرير إنشائي لا أثر له في المحاسبة والمساءلة، فلم نسمع أن التقرير ترتبت عنه محاكمات، اللهم محاكمة صحافيين كتبوا مقالات صحفية عن إحدى جلسات اللجنة البرلمانية.
اليوم نحن أمام فرصة لا تعوض لإصلاح منظومة المعاشات بشكل نهائي، وكل خطأ أو سوء تقدير في تدبير هذا الملف الحارق سيكون بمثابة إشعال للنار في الاستقرار الاجتماعي.





