شوف تشوف

الرأي

التجربة الكوفيدية

حسن البصري

أن تعيش تجربة العزل الانفرادي في بيتك أو في غرفة بالمصحة أو في زنزانة أو في ثكنة، لا فرق وإن اختلفت طقوس العزل. ففي جميع الحالات أنت سجين بتهمة ما، تحاصرك الجدران وتتراقص أمام عينيك احتمالات الشفاء والإفراج والمؤبد.
لا فرق بين متهم يساق إلى سجن انفرادي ومريض بوباء كورونا محكوم بالعزل الانفرادي. ينفض الناس من حول المتهم وهو يساق إلى زنزانته، كما ينفض الناس من حول مريض أدين جسده بتهمة إيواء فيروس فتاك، يبادلونه عبارات الأسى ويرمون في وجهه نظرات الخوف ثم يبتعدون عنه خطوات إلى الوراء قبل أن تبتلعهم الأرض.
قبل أن تلفظك المصحة من بابها الخلفي، تتأمل لائحة الأدوية التي يحتل فيها الزنك صدارة الترتيب مناصفة مع فيتامين سي. في الصيدلية تكتشف أن مرضى كوفيد أمثالي يحملون الوصفة نفسها. نصطف في تباعد ونحن نحمل وصفاتنا المذيلة بخاتم، كتلاميذ الفصول الابتدائية حين يصطفون في طوابير مكتبة عند بداية كل موسم دراسي.
لا يقتادني سجان صوب غرفة العزل، بل أدخلها طواعية وأنا أتأبط أكوام الدواء. حولي الغرفة في فوضى منظمة. لأول مرة تتعايش الأدوية مع الكتب والمعقمات. حاولت التخلص من الأدوية «الصديقة» التي لم تعد مجدية. ما أتفه أن يقول الطبيب ذلك وما أكبر وعيك وهو يدرك أنك فعلا في معركة وأنك أعزل. بالرغم من صرامة التعليمات أضفت إلى العقاقير وصفة كنت قرأتها في كتاب قديم للعلاج بالأعشاب، وهي عبارة عن محلول الزعتر والثوم المغلي الممزوج بالعسل.
لن يقف بجانب سريرك ممرض أو طبيب، أنت معزول في بيتك لأن حالتك «مستقرة» بمنطق طبي، وعليك أن تفرح لأنها لا تتعكر ليس لأنها مستقرة. ستحدد ضوابط التواصل مع أفراد أسرتك، ستذكرهم باللاءات الثلاث: «لا سلام لا كلام لا وئام»، وتتفق على طرق الإمدادات الغذائية مع توصية برفع درجة التأهب ونصب إشارات ممنوع الوقوف أمام الغرفة.
تقف بجانبك مشاعر الذين يحبونك وتحبهم من خلف جدران العزلة، عندما يخاطبونك من وراء الأبواب، يتابعون حالتك ويمدونك بالشجاعة التي تستدعي روح المصارع. سيحمل هاتفك فيض الدعوات والنصائح وستصغي بهدوء لمن عبروا نفق كورونا قبلك، وستؤمن فعلا بأن «المجرب» أفضل من الطبيب أحيانا.
مدني أصدقائي بنصائح تعزز الثقة في النفس، كنت أشبه بمصارع يتلقى تعليمات من مدربه قبل الصعود إلى الحلبة، لخوض مباراة في مصارعة غير حرة مع خصم ليس من وزنك، لا تملك وأنت تواجهه سوى العزيمة ودعوات الناس والأدوية، خصم صيني الجنسية متحور المحيا لا يشق له غبار له سوابق في الفتك والدمار.
لم تعد للأدوية والأعشاب رائحة، فقد تعطل «تطبيق» حاسة الشم، قال لي صديق قضى أياما في ضيافة الوباء، «عليك بتفعيل تطبيق الشم باستنشاق الزعتر والخزامى»، وقال لي مدرب خبر الملاعب: «لا يهم إذا غابت حاسة الشم فالموسم الكروي أشرف على نهايته، ورائحة الفساد تنبعث من الملاعب لا حاجة لك بالأنف إلا لتثبيت النظارة».
في الأيام الأولى من العزل، تحاول أن تقنع نفسك بأن حرقة البلعوم والسعال ليسا من فصيلة الوباء، في كل صباح ترتدي قميصا رياضيا وتخضع الجسد لحركات إحماء، وكأنك تستعد لخوض شوط آخر من النزال، وعلى امتداد ساعات اليوم تعيش تفاصيل حياة عنوانها الحذر والتوجس والقلق، وتتمنى لو أن وصفة الطبيب ضمت سيرة ذاتية لأحد صناع تاريخ هذا الوطن، فخير أنيس في العزل كتاب.
حين يرخي الليل ستائره تتسلل من نافذة الغرفة «شنيولة» لا تبالي بوجود الوباء، ترتع وتمرح وتختبر قدراتي في الفعل وردة الفعل، تحلق فوق قارورة العسل بزهو، ثم تغادر المكان بعد أن تعلم أن خلف العسل علقما.
تسللت دعواتكم لحنجرتي لرئتي فتحولت إلى كتائب للمضادات الحيوية واختارت الجبهة الأولى للمعركة ضد الفيروس، دون أن نوقع اتفاقية الدفاع المشترك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى